لأنّ الخيار الأمني الرمادي انتهى من قاموس قيادة الجيش بعد محاولات عدّة لزجّ المؤسّسة العسكرية في نار الفتنة، جاء بيانها بعد ما تعرّض له الجيش في عبرا على أيدي مرتزقة الشيخ أحمد الأسير حازماً لجهة مطالبة قيادات صيدا ومرجعيّاتها بأن تكون إمّا الى جانب الجيش، وإمّا إلى جانب مروّجي الفتنة وقاتلي العسكريّين.

وبالفعل، بعد ما تعرّض له الجيش في عرسال وطرابلس وصولاً الى صيدا أصبح خيار الصمت خجولاً، اذ لم يعد ممكناً التغاضي عن محاولات الاغتيال السياسيّ والأمني اليومية التي تتعرّض لها المؤسّسة العسكريّة، المرجعية الأمنيّة الأولى المعتمد عليها في ظلّ مرحلة انعدام التوازن واللاستقرار الذي يعيشه الداخل اللبناني، باعتراف الديبلوماسيّين الأوروبيّين والأميركيّين.

عند حصول الاشتباك بين الجيش وأنصار الأسير وتطوّر الأحداث بعد عمليات القنص واطلاق النار على العسكريّين الأحد الفائت اتخذت قيادة الجيش قراراً بحسم المعركة، وأبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي الى جميع القوى أنّ الجيش سيدخل بالقوة الى المنطقة، على أن يكون الدخول وفق خطة سريعة ومحكمة، والسبب أنّ قيادة الجيش لم تضع خطة لمواجهة الأسير، إنما كانت هناك خطة لضبط الوضع الأمني في صيدا، حسب مصادر عسكرية رفيعة.

المصادر لفتت الى أنّ الأسير جهّز منذ فترة خنادق ومستشفى ميدانياً تحت الأرض واستقدم أطبّاء قبل 3 أيّام، إضافة الى تحصينات أقامها داخل الشقق، ما يكشف نيّته المسبقة في القتال.

أمّا عن قدرات الأسير العسكرية فهو يملك نحو 300 مسلّح، وفي حوزته قناصات، كذلك فإنّ الأبنية التي كان يقطن فيها ملغّمة ومفخّخة، اضافة الى حيازته أسلحة من نوع B7 وB10 فضلاً عن الأحزمة الناسفة ومناظير وهواوين 120 و82، وذخيرة وقذائف تخدمه لأشهر، كذلك دشّم الأبنية على غرار نهر البارد.

ولذلك طوّق الجيش بفعل وجود اللواء الأول في صيدا وفوج المغاوير المدينة بحزام أمني مشدّد لمنع دخول السلاح أو الذخيرة أياً تكن هوية الذين ينقلونها ووجهتهم الأمنية أو السياسية، اضافة الى التفتيش الكامل على الحواجز لأيّ مشتبه فيه أياً يكن انتماؤه.

فخطة المؤسّسة العسكرية في صيدا تنفّذ وفق آلية هي الأولى من نوعها، وقد استخدمت في طرابلس خلال المعركة الأخيرة وهي تقضي بالرّد مباشرة على مصادر النار، وكلّ مطلق نار أو مسلّح هدف مباشر لنيران الجيش.

يعاون الأسير في معركته ضد الجيش عناصر من تنظيم "القاعدة" و"الجماعة الاسلاميّة" الذين يقاتلون وفق العقيدة القتالية نفسها التي اتبعت في نهر البارد، اضافة الى عناصر سلفية مسلّحة من جنسيات عربية مختلفة، بينهم سوريّون وفلسطينيّون.

وفي هذا الإطار تتحدّث المصادر العسكرية عن وساطة سعت اليها قيادات سياسية لدى القيادات الفلسطينية لمنع مشاركة عناصر فلسطينيّة داخل مخيّم عين الحلوة، لكنها لم تفلح.وتكشف هذه المصادر عن فرار الأسير والفنان المعتزل فضل شاكر الى مخيّم عين الحلوة، وكأنّ سيناريو شاكر العبسي يتكرّر.

الجيش ماضٍ في معركته حتى النهاية، في ظلّ إجماع سياسي داخلي على إحضارالأسير، الذي طلب بدوره من شخصيات سياسية صيداوية التوسّط لدى قيادة الجيش لوقف النار.

إلاّ أنّ القيادة رفضت ذلك على قاعدة أنّ دم الشهداء لن يذهب سدى، وقد عبّر قائد الجيش العماد جان قهوجي عن هذا الموقف خلال الاجتماع الأمني في بعبدا أمس، وذلك بعد تلقيه اتصالات تشجّعه على المضي في خيار الحسم حتى النهاية، وكان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري أول المتصلين، مطالباً باعتقال الأسير وإعادة الأمن والاستقرار الى المدينة.