قبل الإنقلاب الذي نفذته قوى «8 آذار» عبر «تنصيب» نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، كان الرئيس سعد الحريري يُعتبر الأقوى بلا منازع، وربما الأوحد، في صفوف الطائفة السنيّة على الصعيد الشعبي وفي تمثيله لها في النظام السياسي، مدعوماً بتكتل نيابي ضخم، ومناصرين يمتدون من صيدا وإقليم الخروب وعرسال الى بيروت وطرابلس وعكار.

ومع الدعوة التي وجّهها رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الحريري راح الوسط السياسي والسنّي يترقّب عودة "زعيم الطائفة" الذي بدأ يركّز في الآونة الأخيرة في خطاباته من باريس على بنود ثلاثة: الأول، الدعوة الى إسقاط النظام السوري، الهجوم على حزب الله والاعلان عن التمسّك بالمحكمة الدولية.

وفي رأي أهل الطائفة أن هذا الخطاب المثلث الأضلاع لم يعد كافياً لشارع يعتبر نفسه أنّه مغتصبٌ سياسياً وطائفياً، بل انّ أهل السنّة في حاجة الى وجود الحريري على أرض المعركة، خصوصاً أن الطائفة السنيّة بالتحديد، قلقة من تنامي تيارات سلفيّة مسلّحة ومنظمة ضمن كوادر في إمكانها استعطاف الشباب السنّي للالتحاق بها في ظلّ غياب آل الحريري عن الساحة السياسية الداخلية، وهذا الكلام الخطير جداً بلغ مسامع الحريري عبر القريبين جداً منه، على حد قول مصادر سياسيّة بارزة.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل المرحلة المقبلة هي زمن عودة الحريري شخصياً وسياسياً إلى مسرح الأحداث؟

يدرك الحريري أن المشكلة الحاليّة ليست في شخص الرئيس المكلف تمام سلام، انّما في مطالب حزب الله، وعلى هذا الأساس يعتبر أن عودته في المرحلة الحالية بلا جدوى لأن المشكلة هي في الجوهر وليست في الشخص، ولذا لا عودة له إلّا بعد تبيان الأمور الآتية:

أولاً، معرفة مصير النظام السوري وما هي طبيعة السلطة في حال رحيل الأسد.

ثانياً، معرفة بوصلة اتجاهات القوى المسيحية المؤيّدة لسوريا من قواعد اللعبة السياسية الجديدة الداخلية بعد سقوط النظام السوري.

ثالثاً، كيف سيتعاطى حزب الله وسلاحه داخلياً واقليمياً في حال فقد حليفه اللدود؟

وأخيراً يعوّل الحريري على أقطاب قوى 14 آذار جميعاً، وبلا استثناء، لمهمة تحديد الأولويات ووضع برامج عمل سياسية تساهم في تفعيل التواصل مع القاعدة الشعبيّة لهذه القوى.

وتتحدث الأوساط عن أنّ الحريري تلقى دعوات كثيرة للعودة، وتحديداً من حزب الله عبر القنوات الديبلوماسيّة الخاصة، وليس من بري فقط، إلاّ أنّه وبعد اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن عدل عن التفكير في العودة وهو حتى الآن متمسّك بقرار البقاء في الخارج لأسباب أمنيّة، فالحريري يريد التفاعل مع قاعدته الشعبيّة الموجودة على كافة مساحة الوطن على أنّه "الزعيم الأول للطائفة السنية في لبنان"، فكيف يمكنه لعب دور "الزعامة والانتقال للتواصل مع قاعدته وهو مهدّد أمنيّاً، وفي رأيه أنّ مسلسل الاغتيالات لم ينته بعد".

أحاديث كثيرة تدور بين باريس وجدّة محورها تحديد ملامح المرحلة المقبلة، خصوصاً حيال الموقف من دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى معاودة الحوار، ومن مد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله اليد للتلاقي، اضافة الى ما اشيع عن رغبة "الثنائي الشيعي" بعودة الحريري لترؤس حكومة وحدة وطنية، خصوصاً أنّ حزب الله المنشغل في النزاع السوري الدائر يحبّذ في المرحلة الحالية عودة الحريري الى رئاسة الحكومة بعد أن التقط فرصة المخاوف الدولية والاقليمية على الاستقرار في لبنان هذا من جهة، اضافة الى رغبة الحزب في ابقاء التواصل مفتوحاً أمام أي تفاهم ايراني - سعودي مستجدّ بمعزل عما يحصل في سوريا، خصوصاً ان الرئيس الايراني الجديد الشيخ حسن روحاني كان أبدى حرصه على التفاهم مع المملكة العربية السعودية معلناً نيّته زيارتها.