ممّا لا شك فيه أنّ الحرب السورية أدخلت حزب الله في مرحلة جديدة تختلف عن كلّ المراحل التي شهدها تاريخه النضالي منذ تأسيسه حتى اليوم.
هذه الحرب قد تكون من أصعب التحدّيات التي عرفها "حزب الله"، حيث أنّه بعد أن تحوّل بشكل واضح الى لاعب إقليميّ تمّت محاصرته من جهات عدّة أوروبيّة وعربيّة ومذهبيّة، فضلاً عن مواجهته التقليديّة مع الولايات المتحدة الأميركيّة وإسرائيل.
وعلى هذا الأساس ترى مصادر ديبلوماسيّة بارزة أنّه على الرغم من محوريّة المعركة السورية التي يشكّل سقوط النظام فيها خسارة استراتيجيّة للمحور الذي ينتمي اليه الحزب، كون هذا النظام يشكّل حلقة وصل أساسيّة، ونجح عبر دوره القوميّ في إبعاد الصفة المذهبية عن المشروع الايراني، وبالتالي على الرغم من أهميّة دفاع "حزب الله" عن النظام السوري إلّا أنّ الأكلاف التي دفعها في انخراطه المباشر في هذه المواجهة ثمينة جداً الى درجة قد تدفع الى القول إنّه يعيش أصعب مرحلة في تاريخه السياسي، فهو عملياً محاصر داخلياً، وفقد كلّ وهجه المقاوم لدى الشارع العربي، كما فقد عمقه وامتداده العربي، كما وفقد أخيراً التفهّم الأوروبي الذي لطالما اختلف عن التقييم الأميركي.
فالمواجهة السورية وضعته في مواجهة مباشرة مع مجلس التعاون الخليجي الذي وضعه على لائحة المنظّمات الإرهابيّة في خطوة لم يتخذها هذا الاتحاد حتى بعد صدور القرار الظنّي للمحكمة الدوليّة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري والقاضي باتهام أربعة عناصر من حزب الله في الضلوع بهذه الجريمة، الأمر الذي يظهر محورية المعركة السورية بالنسبة إلى مجلس التعاون.
ولعلّ التحدّي الذي يواجهه الحزب على الأرض السورية تَمثّل أخيراً بانتقال المعركة الى الأرض اللبنانيّة من خلال الصواريخ التي استهدفت الضاحية الجنوبيّة ومواكب لـ"حزب الله" في البقاع، أو من خلال التفجيرات التي تستهدف الضاحية الجنوبية في بئر العبد وأخيراً في الرويس. وعليه يبقى السؤال الأساسي كيف سيواجه "حزب الله" هذه التحدّيات مجتمعة؟
وفي الإجابة تعتبر المصادر الديبلوماسية أنه من الواضح أنّ الحزب، وبعد موقف أمينه العام السيّد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة وتأكيده بأنّ المقاومة ماضية في المعركة السوريّة حتى الرمق الأخير، جاء ليثبت أنّ الأمور تتجه نحو منحى تصاعدي، وأن لا حلول وسطيّة في هذا الاطار، وأنّ المعركة السوريّة في نظر الحزب معركة مصيريّة ولا تنفصل عن معركته الوجوديّة في المنطقة.
وبالتالي كلّ من يعتقد بأنّ الحزب في وارد أن يخرج من سوريا هو واهم، لأنّ المقصود من وراء المعركة السورية استهدافه ومحاصرته وانتقال المعركة مباشرةً اليه بعد سقوط هذا النظام، ولذلك هو يقود معركة متقدّمة في سوريا دفاعاً عن وجوده في لبنان.
ويدرك الحزب جيّداً بأنّ القوى المناهضة له تسعى بكلّ قوتها الى اخراجه من سوريا بعد أن تأكد لها بالملموس قدرته على تغيير موازين القوى على الأرض لمصلحة النظام، وبالتالي الدور العسكري الذي نجح الحزب في توفيره في سوريا أربك المعارضة السورية والمحور الذي يدعمها، ومن هنا جاء الردّ في لبنان لا من البوابة السوريّة، وذلك على خلفيّة إلهاء الحزب عن معركته اللبنانيّة من أجل إخراجه من سوريا.
فما يتعرّض له الحزب اليوم من انفجارات تستهدف بيئته، كل الهدف من ورائها إخراجه من سوريا، في حين أنّ معركة المحور الآخر تتركّز في سوريا التي تشكّل النقطة الاستراتيجيّة في هذه المعركة بين محوري عرب الاعتدال وايران.
ولذلك، يخطئ من يعتبر أنّ هذه الانفجارات انتقاميّة عشوائيّة تقوم بها مجموعات تخريبيّة على خلفيّة ردود فعل انتقاميّة، انّما ما يحصل في الحقيقة والواقع هو جزء من معركة إقليميّة كبرى، هذه المعركة التي لن يتراجع فيها الحزب ولن يلين، لأنّ كلّ ما يحصل اليوم هو تحسين شروط التسوية على الأرض بانتظار التسوية الكبرى التي سيعاد فيها اعادة ترسيم مواقع النفوذ بين طهران والرياض والتي سيكون لـ"حزب الله" الدور الأساسي فيها.


















































