تعدّدت في الأيّام القليلة الماضية الإشارات الإيجابيّة المتبادلة بين كبار مسؤولي الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى درجة بات معها الحديث عن احتمال حصول صفقة سياسية بين واشنطن وطهران في المستقبل القريب مشروعاً. فهل هذا فعلاً ما يتمّ التحضير له؟ وعلى حساب أي بلد أو طرف ستكون هذه الصفقة في حال تمّت؟
بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلاً من واشنطن وطهران وصلتا إلى قناعة مفادها أنّ المضيّ قدماً بالمواجهة المفتوحة بينهما منذ "الثورة الإسلامية" في إيران سنة 1979، تضرّ بكليهما معاً. وفي هذا السياق، ترغب إيران اليوم برفع العقوبات الإقتصادية والمالية المفروضة عليها، والتي أرهقت كاهل السلطات الإيرانية والشعب الإيراني على حد سواء. إشارة إلى أنّ هذه العقوبات الأميركيّة – الغربيّة المفروضة، أسفرت عن تراجع عدد براميل النفط الخام التي تصدّرها إيران إلى الخارج، من 2,4 مليون برميل في اليوم قبل العقوبات، إلى أقل من مليون واحد في اليوم حالياً، مع ما لهذا الأمر من تأثيرات إقتصادية ومالية سلبيّة، خصوصا وأنه مترافق مع عزلة واسعة إزاء الحكم الإيراني. في المقابل، أدركت واشنطن أنّ لا مجال لتحقيق الإستقرار في منطقة الشرق الأوسط من دون التعاون مع إيران، بسبب موقع إيران الجغرافي، وبسبب قوّتها العسكرية على المستوى الإقليمي، وبسبب تأثيرها الديني والعقائدي المتنامي على مجموعات واسعة داخل الكثير من الدول العربيّة القريبة والبعيدة. كما أنّ الظروف الحالية مساعدة لتخفيف التوتّر بين "الغرب" وإيران، بدءاً بوصول قيادة سياسية معتدلة نسبياً في طهران، مروراً برغبة أميركية – إيرانية بكسر حلقة الخصومة المفرغة، وصولاً إلى تعاظم التدخّل الخارجي بالأزمة السورية، ودعوة أكثر من طرف لحلّ مشكلة الملفّ النووي الإيراني على غرار ملف السلاح الكيميائي السوري. ومن بين المصالح المشتركة بين كل من واشنطن وطهران، حرصهما على استقرار النظامين في كل من العراق وأفغانستان. كما أنّ لكل من الجانبين مصلحة مشتركة بالقضاء على التيّارات السنّية المسلّحة المتشدّدة على غرار تنظيمي "القاعدة" و"طالبان". وهما يرغبان معاً أيضاً بمواجهة تجارة المخدرات عبر الحدود الأفغانية. والأكيد أنّ فرص تحقيق هذه الأهداف هي أكبر عبر التنسيق الثنائي، من تلك المتوفّرة في ما لو تصرّفت أميركا أو إيران بشكل منفرد.
وبحسب الخبراء الغربيّين المتابعين للملف الإيراني، إنّ أيّ صفقة أو تسوية بين واشنطن وطهران، ستستوجب على الجانب الإيراني، مجموعة من الشروط، أهمّها:
أوّلاً: خفض عمليّات تخصيب اليورانيوم في إيران إلى نسبة 20 % ليكون من المستحيل إنتاج قنبلة ذرّية منها.
ثانياً: موافقة طهران على استقبال مجموعة من المراقبين لإثبات عدم إستخدامها الطاقة النوويّة لأغراض عسكرية.
ثالثاً: موافقة إيران على إغلاق حصن فوردو الجبلي بالقرب من مدينة قم، والذي يقال إنّ من الصعب تدميره بأيّ قصف صاروخي مهما كان عنيفاً. (لكن يستبعد بعض المراقبين موافقة إيران على هذا البند، كون هذا المركز يمثّل لها ورقة ضمان ضد أيّ عمل عسكري محتمل ضدّها).
رابعاً: موافقة طهران على وقف مدّ النظام السوري بالمال والسلاح، كما تفعل منذ اندلاع الأزمة في سوريا في آذار 2011. وكذلك وقف توفير الدعم اللوجستي والتدريب الميداني وإرسال المقاتلين بشكل مباشر وغير مباشر أيضاً.
في المقابل، تنتظر إيران خطوات تشجيعيّة من الغرب، منها مثلاً قيام الكونغرس الأميركي برفع العقوبات المفروضة عليها، كبادرة حسن نيّة، تشجّع إيران على تقديم تنازلات مقابلة. كما تتوقّع إيران أيضاً أن يصبح رأيها مسموعاً في أيّ إجتماع دولي بخصوص الأزمة السورية، حيث أثبتت التجارب السابقة، ومنها اجتماع جنيف السابق في حزيران 2012، أنّ إبعاد طهران عن هذا النوع من اللقاءات لا يساعد في حل المعضلة القائمة. وبالتالي، في حال انعقاد مؤتمر "جنيف 2"، ستكون إيران حاضرة على طاولة التفاوض! إشارة إلى أنّ مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، الأخضر الإبراهيمي، كان قد اتصل أخيراً بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (1)، مثنياً على أهمّية الدور الإيراني البنّاء في المنطقة.
والعيون ستكون شاخصة في الأيام المقبلة على الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي يعتمد خطاباً سياسياً حازماً لكن هادئاً وسلساً، بعكس سلفه محمود أحمدي نجاد الذي كان يعتمد خطاباً هجومياً وعدائياً شعبوياً. يُذكر أنّ روحاني الذي يحظى بدعم مرشد "الثورة الإسلامية" السيد علي خامنئي، سيتوجّه مطلع الأسبوع المقبل إلى نيويورك للمشاركة في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة.
في الخلاصة، الكثير من الخبراء يرون أنّ الفرصة مؤاتية حالياً لانطلاق مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران، لكن أحداً منهم لا يتوقّع أن تكون هذه المفاوضات قصيرة أو سهلة. والأكيد أن لا مجال لأن تُحلّ المشاكل الكثيرة العالقة بين ليلة وضحاها، حتى لو جرت المفاوضات على أعلى المستويات، كما يفضّل الرئيس الإيراني. لكن على الأقل ستسير الأمور ضمن عمليّة سياسية واسعة تمتدّ على كامل المنطقة. وبالتالي، من غير المستبعد الوصول إلى تسوية ما، ولو أنّ الحديث عن اتفاق فعلي سابق لأوانه كثيراً. لكنه يبقى أمراً وارداً، والأهم أنّ أيّ اتفاق محتمل، إن حصل، لن يكون محصوراً بالملف الإيراني وحده، بل سيشمل مجموعة من المشاكل الإقليمية العالقة. وفي هذه الحال، كل "الأوراق" قابلة للمساومة، بيعاً وشراء، من التنظيمات المقاتلة وصولاً إلى بعض الدول التي لا تُشكّل في النهاية سوى "تفاصيل" صغيرة في صراع المصالح بين الدول الكبرى، أكان على المستوى الإقليمي أو الدولي!
(1) يذكر أنّ محمد ظريف هو دبلوماسي لبق، سبق له أنّ تعلّم في أميركا (حائز على شهادات من جامعتي "سان فرانسيسكو" و"دانفر")، وعمل سفيراً لإيران في الأمم المتحدة بين العامين 2002 و2007. وهو يتقن اللغة الإنكليزية بشكل ممتاز، ويتمتّع بقدرة كبيرة على التحاور، الأمر الذي يجعله مناسباً جداً لأداء دور المحاور والوسيط في أي عمليّة تفاوض مستقبليّة مع "الغرب".