الدستور ينتخب رئيساً لكنه لا يصنع رئيساً.
الدستور يُحدِّد الشروط والآلية لكنه لا يُحدِّد المواصفات.
الدستور يُحدِّد الصلاحيات التقنية لكنه لا يُحدِّد الصلاحيات المؤهِّلة ليكون الرئيس مكتمِل الصلاحية.
إنها الإشكالية بين ما يحدده الدستور وما تكتنزه شخصية المرشح للرئاسة، فمواد الدستور وصفة واحدة موحَّدة لجميع المرشحين، وليس صعباً عليهم التقيد بها، لكن الصلاحيات الحقيقية هي التي ينتزعها انتزاعاً وهي التي يُراكمها في شخصيته وهي التي يعيشها في يومياته:
سلوكاً وممارسةً وأداء.
الصلاحيات هي في ترفُّعه عن كل ما يُضعِف النفس من إغراءات تُخفِّض من سقف الإحترام له.
وفي تمسكه بكرامته التي لا تُشترى ولا تُباع في سوق المصالح النفعية، أياً يكن حجم ما هو معروض.
وفي قدرته على القول لا حين تكون هذه اللا لمصلحة الناس والوطن، ولا تراجع عنها.
وفي جرأته على قول نَعَم حين تكون هذه النَعَم مُنقِذة لأوضاع دقيقة.
إذا كان هناك من قرار يراه رئيس الجمهورية غير مناسب لمصلحة البلد، فمَن يُرغِمه على التوقيع عليه؟
وإذا كان هناك سلوكٌ لوزير أو مدير عام أو مؤسسة رسمية، عليه ملاحظات، مَن يمنع الرئيس من الإجتماع بالوزير أو بالمدير العام أو بالمسؤول عن المؤسسة الرسمية للمطالبة بتصحيح خطأ أو تصويب أداء؟
لكل الذين يتحسَّرون على صلاحيات مفقودة، نقول:
وهل حين كانت الصلاحيات كاملة الأوصاف كان لبنان بألف خير؟
هنا لا بد من التذكير ان الدستور ما قبل الطائف، وفي مادته الثالثة والخمسين، كان يُعطي رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء واختيار رئيسٍ لهم من بينهم، لكن رؤساء الجمهورية المتعاقبين من الإستقلال وحتى العام 1988 لم يستخدموا هذه الصلاحية إنطلاقاً من التوازن الوطني والمشاركة الحقيقية، بل كانت تجري إستشارات لإختيار الرئيس الذي سيُكلَّف تشكيل الحكومة.
إن الغاية من فتح هذين المزدوجين هو للتأكيد على أن الصلاحيات ليست مادة في الدستور بل ممارسة رئاسية ترقى إلى مستوى الأعراف التي تكون في أحيان كثيرة أقوى من المواد المكتوبة، وعليه فإن الصلاحيات تبدأ في الرأس وليس على الورقة، فالورقة يمكن تمزيقها لكن ما هو موجود في الرأس تصعب إزالته.
إنطلاقاً من كل ما تقدَّم، فإن أي مرشح جدي لرئاسة الجمهورية يجب أن يسبقه صيته في ترتيب ملفاته وفي قدرته التنظيمية في الإدارة أو المؤسسة أو الشركة أو حتى المكتب الذي يكون فيه قبل ترشحه، فسلوكه في هذه المواقع هو الذي يُشكِّل سيرته الذاتية التي على أساسها سيخوض معركته، أما السِيَر الذاتية التي تُكتَب على أساسٍ أكاديمي نظري فهي سِيَر لا يُعتَدُّ بها وليست هي الأساس في السباق إلى الرئاسة.
على هذا الأساس يمكن الإستنتاج ان المواصفات والصلاحيات متلازمتان:
فالذي يملك المواصفات المطلوبة هو الذي يستطيع ممارسة الصلاحيات التي تجعل منه رئيساً حَكَماً وحاكماً في آن واحد:
فالحَكَم من دون أن يكون حاكماً لا يتمتّع بالهيبة، والحَاكِم من دون أن يكون حَكَماً، يتحوَّل إلى دكتاتور.
هل وصلت الرسالة؟





















































