إعتاد المشهد الأمني والسياسي في لبنان منذ بدء النزاع السوري العيش على إيقاع سيناريو المعمعة والفوضى الأمنيّة في المناطق الأكثر حساسيّة أمنيّاً وتحديداّ في طرابلس، بحيث تشكّل هذه المنطقة ساحة انتقام بامتياز واطاراً لتنفيذ المخططات المرسومة كلّها لنقل النزاع من سوريا الى الداخل اللبناني.
الإنتشار الأمني الأخير الذي نفّذه الجيش في جبل محسن ثم في باب التبانة ليس الاول من نوعه، فمنذ البداية قرأت قيادة الجيش مؤشر القلق الذي بلغ حدّاً غير مسبوق.
الخطة التي وُضعت لطرابلس هذه المرّة خلال الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للدفاع، مختلفة تماماً عن سابقاتها، بل إنّها "أكثر حديديّة"، خصوصاً أنّ القوى السياسيّة التي تستنجد بالجيش عندما تشعر أنّ شارعها على وشك الانفلات من يدها باتت مقتنعة بضرورة ايجاد حلّ شامل وجذري. فإذا كانت هذه القوى لا تستطيع ضبط شارعها، فكيف يمكنها اشعاله ساعة تشاء؟ واذا كانت حقاً تريد من الجيش ضبط الشارع فلماذا لا تطالب بإعلان طرابلس مدينة منزوعة السلاح.
ومنذ جولات الرصاص والنار بين باب التبانة وجبل محسن رفض قائد الجيش العماد جان قهوجي الانجرار الى سيناريو "إراقة الدماء" وكانت اليرزة دائماً تفضّل استراتيجيّة عدم الانسحاب الكامل من بؤر التوتر وإخلاء الساحة لأمراء الزواريب، ولكنّ عقل اليرزة اليوم اختلف والخطة الأمنيّة مغايرة تماماً، ما يعني أنّ الجيش هو أكثر استعداداً للحسم وفق شرطين: الأول خلق بيئة سياسيّة حاضنة تؤهّل البيئة الشعبية الحاضنة. والثاني الايعاز لقادة المحاور بعدم إطلاق النار على الجيش منعاً لتكرار سيناريو عرسال وعبرا.
حتى الآن وعلى رغم الزيارات السياسية المكوكية الى اليرزة لا أجوبة شافية قدمها السياسيون، الأمر الذي يوقع الإعلام في الحيرة، فلماذا تطالب القوى السياسية قيادة الجيش بالحسم وهي حتى الآن تمارس سياسة الدجل؟ وعلى مَن تقع المسؤولية السياسية والأمنية في حال تأزّم الوضع في المدينة؟ على قيادة الجيش المستعدة للحسم منذ اللحظة الأولى؟ أم على السياسيين في منأى عن المسؤولية المباشرة في إشعال ساحة طرابلس وإبقائها تحت رحمة النار؟
تؤكد المصادر الأمنيّة أنّ الجيش يرفض تطبيق "أجندة" مصالح السياسيين ودفاتر شروطهم. وفي المحصلة، فإنّ خطة الحسم في طرابلس موجودة في حوزة قائد الجيش وهو يتلقى يومياً اتصالات تحمل في طياتها تناقضات جذرية، وحتى الآن لم يخرج عن صمته ولا عن مغزى هذه الاتصالات، ما يعني أنّه ينتظر قرار السلطة السياسيّة.
وكلفة الحسم في طرابلس في ميزان قائد الجيش مكلفة مدنياً وعسكرياً، أما استمرار الوضع على حاله فهو باهظ الكلفة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يريد السياسيون إستنساخ تجربة نهر البارد في طرابلس حيث ترتفع الكثافة السكانية، وحيث المناطق الشعبية متداخلة مع المحاور العسكرية؟ ومَن مِن الأفرقاء يستطيع تحمّل فاتورة الدم مدنياً وعسكرياً، لا سيما أنّ المنطقة مليئة بالتيارات الاسلامية المتشدّدة المستعدّة لدخول باب التبانة وهم على أحرّ من الجمر، بعد انتصار "حزب الله" في القُصير؟
وبمقدار محاولات ضرب الاستقرار، يتوزع الرد بين جيش ضابط للميدان وتحرّكات مسؤولة لضرب مشاريع الأزمات، ووعي مواطن لا زال يرفض الانجرار الى أيّ حرب اهلية، لكن مَن يضبط التفجيرات المقبلة من خارج مفاهيم المجتمع اللبناني؟