طغى حضور الرئيس سعد الحريري في قمة الرياض اللبنانية ـ السعودية على أيّ اعتبار آخر، وشكّل محور التحليلات والقراءات السياسيّة لأبعاده وخلفية الرسائل السعودية الخمس التي أُريد توجيهها من خلاله.
الرسالة الأولى تتمثّل بتأكيد مشروعيّة الحريري لجهة رفض مفاعيل كلّ ما نتج من إسقاط تسوية الـ "س - س" والإنقلاب على الحكومة الحريريّة وتأليف الحكومة الميقاتيّة، وبالتالي أرادت السعوديّة القول إنّها لا تعترف بكلّ ما نتج عن هذا الانقلاب، وإنّ الحريري ما زال في نظرها هو المؤتمن سياسياً في لبنان، خصوصاً انها أصرّت على حضوره في لقائها الرسمي مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وبعلم الأخيرالمسبق، وذلك في اشارة غير مباشرة الى أنّ الحريري ما زال في الموقع نفسه الذي كان عليه قبل الحكومة الميقاتيّة.
أما الرسالة الثانية فتحمل في مطاويها تأكيد الرياض أنّ النموذج الحريري هو مَن يمثّلها في لبنان والمنطقة، بمعنى نموذج الاعتدال لا التطرّف وبالتالي أرادت عبر هذه الصورة القول إنّها ضدّ الحركات الاسلامية الارهابيّة المتطرّفة كلّها، وإنّها تشجّع على الاعتدال داخل الطائفة السنّية وسائر الطوائف، وإنّ هذا الاعتدال وحده هو الضمان لمستقبل لبنان حيث من خلاله يمكن تثبيت معادلة الأمن والاستقرار وإرساء أنظمة تعكس تطلعات شعوبها بعيداً من العنف والحروب والإقتتال المذهبي - الطائفي وعدم الاستقرار.
وتتضمّن الرسالة الثالثة تأكيد المملكة، خلافاً لكلّ الأقاويل والاشاعات عن انسحابها من لبنان وخروج نفوذها من بيروت وعدم اهتمامها بالقضيّة اللبنانيّة، أنّها عكس ذلك تماماً بحيث ما زال لبنان يشكّل جزءاً من أولوياتها وهي ليست في وارد التخلّي عنه لمصلحة المحور الآخر الذي يريد إبقاء لبنان ساحة مستباحة لمشاريعه ومآربه وأهدافه، خصوصاً أنّ همّ المملكة الوحيد منذ ما قبل "اتفاق الطائف" وصولاً الى "س - س" مروراً بالدوحة كان توفير الاستقرار في لبنان وإعادة الاعتبار لمشروع الدولة على الأرض اللبنانيّة.
أما الرسالة الرابعة فتؤكد الرياض من خلالها موقفها الثابت من ضرورة تحييد لبنان عن نزاعات المنطقة، وتحديداً الأزمة السورية التي تكمن خطورتها في نقل الحرب السوريّة الى الداخل اللبناني، بحيث إنّ مشاركة "حزب اللّه" في القتال السوري شكّل بالنسبة الى الرياض تجاوزاً للخطوط الحمر وتحدياً مباشراً لها وانحيازاً للسياسة الإيرانيّة على حساب السياسة العربيّة.
ومن هنا، وحسب مصادر ديبلوماسيّة عربيّة رفيعة، فإن أرادت الرياض عبر البيان الرسمي الصادر عن القمة اللبنانيّة - السعودية تأكيد موقف الدولتين من مسألة الحياد وإعادة تأكيد "إعلان بعبدا" بمندرجاته كافة، وتحديداً موضوع سياسة "النأي بالنفس".
وفي الرسالة الخامسة أرادت السعودية القول للمجتمع الدولي بضرورة تشكيل مظلّة دوليّة الى جانب المظلّة العربيّة لحماية لبنان، وإنّ هذا اللقاء هو رسالة لكلّ دول العالم بضرورة عدم تهميش هذا البلد وإعادة الاعتبار اليه من خلال تفعيل القرارات الدوليّة المتصلة بالأزمة اللبنانيّة.
وتأسيساً على ما تقدّم قد لا تكون هناك نتائج عمليّة وترجمة فعليّة سريعة لنتائج لقاء الرياض في المدى القريب، الّا أنّ الاشارة الأساسيّة لهذا اللقاء هي اشارة سياسية بامتياز مضمونها احتضان لبنان من بوابتَيه رئاسة الجمهورية الشرعية والحريري نظراً لرمزيته الوطنيّة والسنّية.
أمّا بالنسبة الىى قوى "8 آذار"، فلا شكّ في أنّ زيارة سليمان للرياض قد أزعجتها شكلاً ومضموناً، خصوصاً أنّها كانت حذرة منها بعد المواقف التي أطلقها وزير الخارجية الأميركيّة جون كيري من الرياض وضرورة تأليف حكومة في لبنان يستبعد "حزب اللّه" منها. وبالتالي تخوفت من أن يكون هناك نوع من استرضاء أميركي للمملكة في لبنان بعد المواقف الأخيرة التي عبّرت عنها تجاه السياسات الأميركية في سوريا ومع ايران.
وبذلك ترى قوى "8 آذار" أنّ سليمان إذا لم يقم بزيارة مماثلة لطهران يكون قد حرق أوراقه معها، فضلاً عما اعترى زيارته للرياض من شوائب وفي طليعتها تغييب وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور عن اللقاء ومشاركة الحريري فيها، وذلك في رسالة مباشرة الى "حزب اللّه" مفادها أنّ تسمية رؤساء الحكومات مفتاحه الوجدان السنّي في لبنان والرياض لا الضاحية الجنوبيّة لبيروت.


















































