يبدو ان ثمة حركة اتصالات في الكواليس تواكب الاتصالات الدولية والاقليمية لصياغة تفاهمات اقليمية ودولية، علها تنتج سلة حلول متكاملة تفادياً للفراغ
لم تلغ العملية الانتحارية في بئر حسن الرصد المحلي لمجريات المفاوضات الاقليمية والدولية الدائرة حول ايران وسوريا. لا بل على العكس، فإن هدف الانفجار وخلفياته وتداعياته وردود الفعل عليه دولياً واقليمياً، صبت في اطار استثمار هذه العملية للاضاءة اكثر على ما يجري على خط ايران ــــ واشنطن وتأثيره على الموقف السعودي، واستطرادا ما يمكن ان يترك ذلك من ارتدادات على لبنان.
فالاحاطة الدولية المستنكرة للانفجار، والمترافقة مع استمرار المفاوضات النووية مع ايران، اشاعت جوا من الاطمئنان لدى الفريق السياسي المناهض لقوى 14 آذار، والمتيقن حتى الان من ان التطور الدولي تجاه طهران يؤسس لمرحلة مغايرة عن تلك التي شهدتها المنطقة في السنوات الماضية. وبين اطمئنان هذا الفريق الى نتائج التطور الاقليمي والشعور بـ«نشوة الانتصار»، على حد تعبير سياسي فاعل، ليس بفضل فائض القوة وانما بفضل حقيقة ما يشعر به منذ ان تحقق «انتصاره» في سوريا وعلى خط المفاوضات الايرانية ــــ الاميركية، ثمة مكان للكلام من اوساط سياسية على تماس مع هذا الفريق حول المسار الذي يقبل عليه البلد والسيناريوهات المطروحة.
ولا شك في ان المخاوف الامنية من اي ردود فعل تلي عملية بئر حسن، اكثر من مجرد مخاوف، كونها مبنية على معلومات امنية. لكنها ايضا لا تلغي من الحسابات ان العملية، عدا كونها رسالة الى طهران وواشنطن معاً، انما قد تكون جس نبض حول حقيقة الموقف الاميركي والدولي من ايران ورصد حيثيات ما بعد العملية من تغييرات تلحق بهذا الموقف. وقد اتى الجواب باستمرار المفاوضات مع ايران وادانة العملية في شكل واسع، بمثابة جواب واضح، قد يكون اول مفاعيله العمل على وقف مسار التدهور الامني وابقاء مظلة الاستقرار فوق لبنان.
اما سياسيا، فالعملية اتت في الوقت المستقطع الذي تعيش فيه البلاد على ايقاع اللاحكومة وانطلاق السباق الرئاسي، رغم ان المهلة الفعلية تبدأ في 25 آذار، لكنها سبق ان انطلقت في الدوائر السياسية المعنية في لبنان والخارج.
في قراءة هذه الاوساط، ان امام لبنان فرصة تكمن في تزامن المواعيد الخارجية مع استحقاق الرئاسة في لبنان، اي عبر التحضير لـ«جنيف 2» سورياً واستكمال عقد المفاوضات الدائرة مع ايران للوصول الى اتفاق نهائي حول النووي وكثير من التفاهمات حول تسويات اقليمية. من هنا يمكن للاستحقاق الرئاسي ان يكون جزءاً من هذه التسويات، فيأتي بهدوء وتلقائياً، من ضمن سلة متكاملة تحوي في بنودها تفاهماً مسبقاً حول العناوين الرئيسية في اختيار اسم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وشكلها والمجلس النيابي الجديد، اضافة الى عنوانين آخرين: المحكمة الدولية التي تبدأ اعمالها في كانون الثاني المقبل وسلاح حزب الله والاستراتيجية الدفاعية، اما القضايا الاخرى الامنية والسياسية في المفاصل الرئيسية فتحال الى المرحلة المقبلة.
ولأن البندين الاخيرين قد يشكلان صاعقاً لاي اتفاق او تسوية، يمكن للفرصة ان تضيع على لبنان فلا يدخل في سلة التفاهمات الاقليمية، ويذهب البلد نحو الفراغ الرئاسي في انتظار تسوية اكبر تنتج حلا برعاية اقليمية ودولية كبرى على غرار التسويات السابقة. وهذا الخيار لا يزال الاكثر ترجيحا، وسط اعتراف بأن اي تسوية تحتاج ايضا الى مشاركة جميع الرعاة الاقليميين وفي مقدمهم السعودية التي يترك لها مقعد في التسوية الكبرى مع اكتمال عقد الاطراف الاساسيين، اي موسكو وطهران وواشنطن. وفي المقابل، هناك من لا يزال يرى ان دور سوريا سيكون محفوظا في اختيار اسم الرئيس الجديد، ولا سيما اذا انتج مؤتمر «جنيف 2» تسوية تقضي باستمرار وجود الرئيس بشار الاسد في مرحلة انتقالية.
وفي موازاة الحراك الاقليمي والدولي الذي يسير بخطى حثيثة، يبدو ان الداخل اللبناني بدأ يستشعر اهمية الحركة الداخلية، سواء من لدن من يتصرف على انه منتصر او العكس. ومن غير المستبعد، في ظل الدخان الكثيف للانفجارات والخلافات السياسية، وجود حركة اتصالات في الكواليس بين افرقاء التجاذب السياسي الحاد لمواكبة الحركة الاقليمية، رغم كل ما تظهره اللهجات والنبرات العالية ومظاهر الردود والانفعالات الاعلامية والسياسية العلنية وحتى تأجيل الجلسات النيابية مرة بعد اخرى. ولعل في الحركة البعيدة عن الاضواء درس لكل الاحتمالات المطروحة، استعدادا لمرحلة الرئاسة ومحاولة انقاذ الوضع اللبناني وفق قواعد اللعبة الداخلية بما ينتج تفاهما محليا بحتا.
واذا كانت البلاد قد دخلت حكما في مرحلة تجميد العمل وحتى الكلام في موضع تشكيل الحكومة، فانها في المقابل دخلت في صلب التحضير للانتخابات الرئاسية التي تشكل العمود الرئيسي لاي تفاهم محلي. وبحسب هذه الاوساط فان ما وصل حتى الان هي جملة لاءات منها اميركي وروسي، وهي لا لتعديل الدستور للتمديد، ولا لتعديل الدستور لانتخاب الرئيس الا اذا ضاق الهامش الى الحد الذي يسمح للتفاهم الدولي بأن يقفز فوق الدستور. وايضا لا للانتخاب على اساس النصف زائدا واحدا. وفي اعتقاد هذه الاوساط ان رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لم يكن يناور في طرح هذا الاقتراح، لا بل ان اعتماده على دراسات قانونية، قد تكون له مترتباته العملانية في ترجمة هذا الخيار امرا واقعا. ولا سيما اذا اقترن برضى السعودية التي يبدو انه اصبح يتمتع في دوائر معينة فيها، بتقدم ملموس. لكن هذا لا يعني ضرورة ان يكون تيار المستقبل أو المسيحيون المستقلون مؤيدين لهذا الطرح، نظرا الى ما يترتب على ذلك مستقبلا من خيارات وحيثيات مختلفة في جوهرها عن الواقع الراهن.




















































