شكّل اكتشاف الهوية اللبنانية لأحد الانتحاريين «صدمة قوية» للأجهزة الامنية الرسمية والحزبية، المهتمّة بمتابعة "ملف التكفيريين". ولا شكّ في أن دخول ظاهرة ذهنيّة "العمليات الانتحاريّة" على المعادلة اللبنانيّة يمثّل تطوراً نوعياً في الوضع اللبناني، من شأنه أن يبدّل معطيات كثيرة في مجرى الأحداث. فهل من المنطقي أن يصبح لبنان بلداً يُنتج انتحاريين؟ وهل إن الحرب السورية في لبنان افتتحت لها فروعاً عدة في سائر المناطق اللبنانية؟
ولعلّ توقعات المسؤول الأممي عن القرار 1559 الخاص في لبنان تيري- رود لارسن لأحد الصحف نجحت في توقيتها، والذي أشار من خلالها الى أنّ "لبنان يواجه الوضع الأخطر في تاريخه، وهو يتجه بسرعة قياسية إلى وضع خطير جداً نتيجة توقّع استمرار تدفّق اللاجئين السوريين إليه، ويترافق كلّ ذلك مع وجود محنة أهلية بوجود إرهابي على الأرض، معطوفاً على تفاقم أزمة الفراغ السياسي، ما قد يحول دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال سليمان".
وتعليقاً على مقولة إنّ لبنان يسير في خطى متسارعة نحو الخطر، رأت مصادر أمنيّة رفيعة أنّ تبنّي "كتائب عبد الله عزام" على صفحتها وصفحة مَن يمكن اعتباره ناطقاً باسمها "الشيخ سراج الدين زريقات"، على "تويتر"، التفجيرين اللذين استهدفا السفارة الايرانيّة في بيروت، يشجّع التيارات السلفيّة الأخرى على الدخول في سباق التنافس الى تنفيذ العمليات الانتحاريّة ومَن سيحقّق النسبة الأعلى من تنفيذ عمليّات كهذه.
وصحيح أنّ التفجير الذي استهدف السفارة الايرانيّة يمثّل ردة فعل على "التقارب الأميركي ـ الايراني الجديد والسياسة الجديدة التي يعتمدها الرئيس الأميركي باراك أوباما في تعاطيه مع الملف الايراني، لكنه يشكّل تحدياً بين مختلف مكوّنات الشعب اللبناني، خصوصاً أن قدرة لبنان على حماية نفسه من هذا النوع من الإرهاب تكاد تكون معدومة، فضلاً عن أنّ هجمات أخرى متوقعة كنتيجة طبيعية لمشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا إلى جانب النظام. إضافة الى أنّ التفجير سجّل سابقة خطيرة في القاموس الأمني اللبناني، وهي قدرة الانتحاريين على الوصول الى الهدف المنشود على رغم الاجراءات الأمنيّة المشدّدة داخل السفارة وخارجها، وهذا ما يجعل بقيّة السفارات معرّضة للعمل الانتحاري ذاته، الأمر الذي يؤكّد أنّ "النموذج العراقي" بدأ خطوته في لبنان.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو أنه اذا كان التفجير استهدف فتح خط طهران ـ واشنطن بعد انقطاع متواصل منذ انتصار الثورة الايرانية عام 1979، بحيث أنّ ما من أحد كان يتصوّر مثل هذه المتغيّرات والتبدلات في المواقف الأميركية من إيران، فما هو مخطط الانتحاريين بعد الاتفاق الأميركي - الايراني الأخير؟
لذا، من المتوقّع، بناء على المعطيات الأمنيّة الموجودة، أنّ يكون لبنان قد دخلَ فعلياً في مرحلة "الحرب على الارهاب". ولكن كيف تكون الحرب على الارهاب اذا كان السيناريو الانتحاري سيُعتمَد من الآن وصاعداً؟ فالانتحاريون لا يمكن لأحد أن يتتبّعهم او يلاحقهم. وبالتالي، لا يمكن تفادي جماعة الأحزمة الناسفة.
وإذا كانت بوصلة الانتحاريين اليوم، وفق ما يصدر عنهم من بيانات، تركّز على بيئة "حزب الله"، فإنّ لا شيء يمنع هؤلاء ويردعهم عن تغيير مخططاتهم وتعديل الوجهة في اتجاه مناطق أخرى، ربما تكون باستهداف الجيش أو المؤسسات الأمنية والعسكرية، خصوصاً انّ التكفيريين يضمرون حقداً على القوى الأمنية، وهذا ما أظهرته أحداث نهر البارد والضنية وعبرا.
المصادر الأمنيّة عينها تؤكّد أنّ أرض لبنان تحوّلت "أرض جهاد" عبثيّة، خصوصاً أن "كتائب عبدالله عزام" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" قد تبَنّت هذه العملية. كذلك توعدت لبنان واللبنانيين بمزيد من هذه العمليات، ليس فقط على خلفية مشاركة "حزب الله" في القتال داخل سوريا، بل أيضاً على خلفية اطلاق الإسلاميين الموقوفين والمسجونين في السجون اللبنانية، وهذا الأمر عبّر عنه زريقات، القيادي الديني في تنظيم "القاعدة"، بحيث أكّد أنّ "العمليات في لبنان ستستمر حتى يتحقق مطلبان: الأول سَحب عناصر حزب إيران من سوريا، والثاني فَك أسرانا من سجون الظلم في لبنان".
هذا الواقع خلق تحدياً جديداً للأجهزة الأمنية، وعلى هذا الأساس تجري مخابرات الجيش حالياً التحقيقات التي تتركّز على معرفة هوية الأشخاص والجهات التي ساهمت في التحضير لهذا التفجير الانتحاري المزدوج ضد السفارة الايرانية، فضلاً عن أنّ جهوداً تجري لمعرفة مكان تجهيز السيارة المفخخة ومَن سَلّم الحزام الناسف، والخدمات اللوجستية التي قدّمت للانتحاريين، إذ إنّ المخيّمات الفلسطينية تحتوي على عدد لا يستهان به من الانتحاريين، خصوصاً انّ تجربتَي العراق وسوريا دلّتا على أنّ عدداً كبيراً من الانتحاريين كانوا من الفلسطينيّين.
وعلى هذا الأساس رفعت قيادة الجيش درجة جهوزيتها لمواجهة الطوارىء، وهي تطبّق سياسة "الأمن الاستباقي" الذي يتركّز على تبادل المعلومات والمراقبة لاستباق وقوع الأحداث، فضلاً عن التنسيق والتعاون مع بقية الأجهزة الأمنيّة الأخرى.






















































