يتساوى الحديث، في الأوساط السياسية، عن التمديد لرئيس الجمهورية مع احتمالات الفراغ المقبل على البلد، وسط مخاوف من أن تكون التفجيرات الحالية مؤشراً على معالم المرحلة المقبلة
لم يعد يكفي أن تقول قوى 8 آذار وتكتل التغيير والإصلاح إنهما ضد الفراغ والتمديد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ومع إجراء انتخابات رئاسية، وضد تشكيل حكومة أمر واقع وضد تعويم حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة. أيضاً، لم يعد يكفي أن تدافع قوى 14 آذار عن رئيس الجمهورية الذي تكاد تنتهي ولايته وتطالب بحكومة أمر واقع وانتخابات رئاسية. مواقف الطرفين أصبحت معروفة، وتكاد تكون بديهية منذ أشهر طويلة. المشكلة تكمن في معرفة الوسيلة لخرق مواقف الفريقين، التي ربما تتلخّص اليوم في قبولهما، ومَن خلفهما، بالفراغ الرئاسي، كمعبر إجباري للوصول الى حل يرضي الطرفين. والمشكلة أن الكلام على الفراغ أصبح سهلاً الى حدّ بات كأنه من المسلمات، كالتمديد وكخرق الدستور مرة بعد أخرى. فرغم مواقف الاطراف الرافضين للفراغ الرئاسي والمحذرين منه، قد يصبح أمراً حتمياً، لا بل مطلوباً حتى، قبل أن تستنفد الحلول المطروحة من أجل إنقاذ الاستحقاق الرئاسي، ولأسباب موضوعية.
يتزامن الاستحقاق الرئاسي مع روزنامة مواعيد إقليمية، منها، أولاً نتائج مؤتمر جنيف أو مونترو السويسرية حول أزمة سوريا ومصير الانتخابات الرئاسية فيها، وثانياً مصير الاتفاق الايراني ـــ الاميركي واحتمال تجديده لستة أشهر جديدة، مع ما يمكن أن يتأتى منه من مفاعيل تنعكس على المنطقة، من العراق الى سوريا ولبنان. وتبعاً لذلك، لا يمكن تصور حدوث خرق محلي في لبنان على مستوى انتخاب رئيس جديد في فترة إقليمية دقيقة لها استحقاقاتها وتداعياتها الكثيرة، ما لم تنكشف الاوراق المستورة من اتفاق وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف، وما لم تتضح آفاق التسوية مع إيران واحتمال تجددها أو توقفها.
وهناك أيضاً مزيد من الترقب للجانب السعودي من الازمة الاقليمية. فإضافة الى انشغال المملكة في ترتيب أوضاعها الداخلية التي كثر الحديث عنها أخيراً في المراكز الاستراتيجية الغربية، لا يزال موقف الرياض من التسوية الإقليمية موضع عناية أميركية وروسية. فالدولتان تحاولان امتصاص النقمة السعودية والتخفيف من ارتدادها على المحور الذي يشهد مواجهة مكلفة سنية ـــ شيعية في العراق وسوريا ولبنان.
من هنا، يصبح لانشغال الدول التي لها تقليدياً كلمة مباشرة في الاستحقاق اللبناني، مبرر تلقائي بعدم ظهور ملامح ولو أولية تؤشر الى أن ملف الانتخابات وضع حتماً على سكة التنفيذ، في ضوء التذكير على سبيل المثال ببقاء السفير السعودي علي عواض العسيري خارج مركز عمله في لبنان، فيما يفترض أنه أحد المفاتيح الاساسية في إدارة أي اتصالات تتعلق بالانتخابات المقبلة.
محلياً، يكاد يكون الحديث السياسي عن الفراغ المقبل من المسلّمات في الدوائر السياسية، وسط معادلة لا تحتاج الى كثير من الفذلكة السياسية: كيف يمكن الاتفاق محلياً على مبدأ إجراء الانتخابات بعد أشهر قليلة، في حين ان قوى 8 آذار وتكتل التغيير والاصلاح وقوى 14 آذار متمترسة خلف مواقفها في خندقين متواجهين، ولم تتمكن من الاتفاق على قانون الانتخاب ولا على حكومة جديدة ولا على الجلوس إلى طاولة الحوار.
في اللقاءات السياسية أيضاً كلام كثير عن اقتراحات تجريبية كما أصبح معروفاً عن التجديد لا التمديد لرئيس الجمهورية، أو كمثل اختيار رئيس لنصف ولاية، وهو اقتراح سبق أن طرح قبل مغادرة الرئيس إميل لحود قصر بعبدا وباء بالفشل. وهناك كلام أيضاً عن اقتراحات بأسماء لإدارة الازمة في الوقت الضائع لتخفيف حدة الصدمات الاقليمية على لبنان.
ومع كثرة الاقتراحات والمداولات في أكثر من منتدى ولقاء بعيداً عن الإعلام، يرشح أمر واحد هو احتمال أن يكون الفراغ مطلباً لبنانياً تجمع عليه كل القوى السياسية كما لم تجمع على أي أمر آخر. وتتهم قوى 14 آذار أخصامها من قوى 8 آذار، وتحديداً حزب الله، بأنه يريد الفراغ من أجل الذهاب في مرحلة لاحقة الى مؤتمر تأسيسي جديد وتغيير، لا تعديل، اتفاق الطائف. بدورها تتهم قوى 8 آذار وحلفاؤها في التكتل، قوى 14 آذار بأنها تريد الفراغ الرئاسي في انتظار انقلاب موازين القوى في سوريا وإطاحة نظام الرئيس بشار الأسد، علّ ذلك يساهم في الإتيان برئيس من قلب الأكثرية النيابية التي أتت بها انتخابات عام 2009 ولو لم تعد موجودة بكامل أعضائها. هناك صحة في كل الاتهامات، لكنها حتى الآن تبقى تحت سقف الانضباط الاقليمي في انتظار بلورة الاتفاق الإيراني ـــ الاميركي وتفاعل الرياض معه. فهل يمكن التسوية أن تفرمل المنحى الآيل الى تغيير الطائف على أن يرجأ البحث في سلاح المقاومة الى تسوية أخرى؟ وأي ثمن يعطى للسعودية في لبنان مقابل الذهاب الى تسوية لبنانية تبقي الاستقرار فيه من دون أي تغييرات نوعية كبرى، وتجمد الازمات المشتعلة الى حين.
وفق ذلك، يصبح الفراغ الرئاسي حاجة ملحة الى حين. ويصبح الكلام، في الوقت الراهن، عن أسماء مرشحين أمراً عبثياً، لأن شكل المرحلة المقبلة هو الذي سينتج اسم الرئيس من دون أي لقاءات مسيحية داخلية، لا في بكركي ولا في المراكز المحيطة بها، ولا لقاءات قوى 8 أو 14 آذار.
المشكلة اليوم لا تكمن في اسم الرئيس بل في ما سيسبق الاستحقاق الرئاسي من تشنج حاد في البلد يمكن أن يؤذي الاستقرار الذي لا يزال في حدّه الأدنى قادراً على إبقاء بعض القنوات الرئيسية مفتوحة للتواصل والحوار بين القيادات الأساسية. من هنا خطورة الانفلات الامني والعمليات الانتحارية التي بقدر ما تريد جر لبنان نحو العرقنة، تحاول أن ترسم لكل القوى السياسية خطوط التماس بين ما هو مسموح وما هو غير مسموح إقليمياً قبل الاستحقاقات المقبلة، وقد يكون حينها الفراغ استحقاقاً مطلوباً وبقوة. لكن الخطورة الكبرى أن يكون المطلوب فراغاً دامياً.


















































