قبل شهرين قال النائب فريد مكاري، في تصريح لجريدة الأنباء الكويتية، إن «المسيحيين ليسوا في خطر كما يحلو لبعض المصالح الانتخابية والتحالفات الاقليمية التسويق، وفي طليعتهم العماد ميشال عون». وأضاف: «رغم تأكيدات المرجعيات المسيحية من رجال دين وراهبات بأن أحداً لم يدخل الى أديرة وكنائس معلولا ولم يمس موجوداتها أو المقدسات المسيحية بسوء، حاول عون، وكعادته، توظيف الاحداث والوقائع لصالحه». ليس مكاري وحيداً في رواية معلولا والمتطرفين، فقد سبق لزميله في حزب القوات اللبنانية النائب فادي كرم أن نطق بـ«الحقيقة» كاملة: «ما حدث في معلولا لم يحدث في معلولا»! مهلاً، ثالث الشجعان الأرثوذكسيين النائب أنطوان سعد لم يدل بدلوه بعد.
الأخير واثق أكثر من سابقيه مما يجري، خصوصا أن تصريحه أتى عقب لقائه رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع. إليكم بيتي شعر سعد المدوزنين بدقة:
عسى أن يدركوا ان المسيحية الحقيقية هي شهادة للحق والحقيقة
فكفى بثاً للخوف وفبركة أوهام ومجازر وأحقاد على ضفاف الأزمة السورية
حيث سمعنا عن أديرة أحرقت وكنائس هُدمت ولم نرها
وارتكابات حصلت لم يقدم أحد الدليل عليها.
لا همّ ان صفق أحدهم لسعد أو لا. صباح أمس، تهندم سعد من جديد وتوجّه للقاء زميليه كرم ومكاري في مكتب الأخير في ساحة النجمة بناء على دعوة مكاري للنواب الأرثوذكس (حضر نضال طعمة، عاطف مجدلاني، نقولا غصن، فادي كرم، روبير فاضل، انطوان سعد، فادي الهبر، رياض رحال وغسان مخيبر). أما المناسبة، فهي: «استمرار خطف المطرانين و... راهبات معلولا (!)». لا تسل الثلاثة عن هذا التناقض أو عن كيفية مناقشة الذي «لم يحصل في معلولا». ولا تسل نائب رئيس مجلس النواب كيف يرسل دعوة للصحافيين بتغطية «نشاطه»، ثم يفاجأ وفريق عمله بحضور صحافي. وأيضاً، لا تسل لماذا استفاق المجتمعون في هذا التوقيت بالذات، ولماذا مرّ على اجتماعهم الأخير 7 أشهر، أي تاريخ خطف المطرانين. أو كيف «يصدف»، للمرة الثانية، أن تتغيّب النائبة نايلة تويني بسبب المرض والنائب جوزيف معلوف بداعي السفر! لا همّ، اقرأ البيان الختامي للاجتماع فحسب: «عشية عيد الميلاد المبارك، تداعى النواب الأرثوذكس الى اجتماع عقد في مكتب الرئيس مكاري استنكروا فيه استمرار اختطاف مطراني حلب بولس يازجي ويوحنا ابراهيم، كما واستمرار اختطاف راهبات معلولا وعدد من رجال الدين الآخرين (...) وقد جاءت موجة الاعتداءات الأخيرة السافرة على المراكز الدينية ورجال الدين (...) لتؤسس لنتيجة حتمية هي إفراغ سوريا من مسيحييها». اذاً، هناك خطة «لافراغ سوريا من مسيحييها»، بعد نفي شرس لتلك المقولة.
يتابع البيان: «نطالبكم بالتدخل الفوري لحماية المسيحيين والمقدسات الدينية ورجال الدين المسيحيين في سوريا». الكلام الآن موجه «للدول المعنية ومنظمة الأمم المتحدة». ولكن من هي الدول المعنية؟ يجيب مجدلاني: «الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قطر، المملكة العربية السعودية وتركيا». هل يطلب مكاري ورفاقه مساعدة أو حماية من ايران؟ تلك مفاجأة ثانية بالتأكيد، وسارّة لقوى 8 آذار من دون شك.
الآن، ابحث على «غوغل» عن مكاري، ستجد، حتماً، تصريحاً له خلال العشاء الذي أقامته الرابطة اللبنانية للروم الارثوذكس برعايته في فندق هيلتون ــــ الحبتور. قارن بينه وبين بيان أمس. النتيجة: الفحوى ذاتها. مجدداً، ابحث عن بيان اجتماع النواب الأرثوذكس الذي دعا اليه مكاري في نهاية نيسان الماضي وستجد النتيجة نفسها.
يضحك أحد النواب الأرثوذكس السابقين والمراقب لحركة، أو لا حركة، زملائه وبياناتهم: «هو اجتماع غبّ الطلب لانقاذ أنفسهم من تداعيات انكارهم السابق لما يحصل في سوريا من اعتداء على المسيحيين». ولكن ما هو أهم من ذلك كله «سعي هؤلاء الى القوطبة على حزب الله وجهود المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم في هذا الملف، عبر قولهم: نحن أيضا نتحرك». وفي ما لو سلك الملف خواتيمه السعيدة، «ربما يدعي المكاريون الفضل لاجتماعهم في تحرير المخطوفين».
في الأصل لا وجود لما يسمى «اجتماع للنواب الأرثوذكس». كان هناك «اللقاء الأرثوذكسي» الذي أسسه نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي والمحامي ميشال تويني وآخرون من نواب أرثوذكس سابقين. لم يرق الأمر لأرثوذكسي الكورة (مكاري)، خصوصاً أن هدف اللقاء الرئيسي كان للدفاع عن حقوق الأرثوذكس. واذا كان في استطاعة نائب رئيس المجلس السابق أن يجمع تلك الشخصيات، فكيف لا يمكن لنائب الرئيس الحالي أن يستفيد من كون غالبية أرثوذكسيي المجلس النيابي من قوى 14 آذار، ليجلسهم تحت عباءته. وهكذا كان. غير أن اللقاء الأرثوذكسي منذ نشوئه العام 2010 يثابر على عقد الاجتماعات والنشاطات الدورية، فيما يخضع توقيت استفاقة مكاري لـ«رفع العتب» عن صمته. فكان له اجتماعان هذا العام: نهاية نيسان بعد خطف المطرانين واليوم بعد أن أدركت قوى 14 آذار أنه لم يعد بإمكانها الاستمرار في «استغباء» الرأي العام عبر محاولة إقناعه بأن هدف «جبهة النصرة» هو الحفاظ على معلولا وحماية راهباتها، وأن المتطرفين لا يستهدفون المقامات الدينية ورجال الدين والمسيحيين. كان لا بد لها أن تتحرك، فكان اجتماع فبيان. ولكن، ثمة من يشكر الله في هذا السياق على عدم اتكال المسيحيين على مكاري لحلّ ملف المطرانين والراهبات المخطوفين. وثمة من المواطنين من يرفع صلواته للقديس جاورجيوس شاكرا اياه على «ثقل» حركة مكاري ورفاقه، الأمر الذي يغنيهم عن رؤيتهم بشكل دوري على صدر شاشات التلفزة.









































