إعلان أيّ منطقة من لبنان منطقة عسكرية منوط بمجلس الوزراء مجتمعاً خصوصاً في الأوضاع الإستثنائية.

وإعلان حال الطوارئ في منطقة معينة، لا ينطبق على القرار الذي اتخذه الاجتماع الثلاثي الاخير في بعبدا وقضى بتسليم الجيش اللبناني الإمرة العسكرية في طرابلس. لكن كل ما في الامر انّ هذا القرار ينصّ صراحة على وضع كل الاجهزة الامنية الرسمية في تصرّف الجيش، بمعنى انّ الجميع ينفّذ ما يأمره به الجيش، وأنّ الاستنابات القضائية تنفّذ لمصلحة الجيش مباشرة، ما يعني انّ توقيف أيّ مُخِلّ بالامن او غيره من مرتكبي الجرائم تنفذه المخافر والقوى الامنية لمصلحة الجيش وتسلِّم الموقوف اليه ليحقّق في جرائمه ثم يحيله الى القضاء المختص.

هذا في الظاهر، أمّا على أرض الواقع فقد تمّ وَضع 600 عنصر فقط في تصرّف قيادة الجيش، وفق مصادر عسكريّة، اذ لم توقّع الحكومة أيّ مرسوم يتعلق بوضع عناصر القوى الأمنيّة كافّة في عهدة الجيش، خصوصاً أنّ لهذه الخطوة أهميّة كبيرة تفيد في جمع المعلومات والتفاصيل الدقيقة عن الشوارع وتحرّك العناصر المسلّحة الموجودة فيها لاستباق حركتهم، وهذا الأمر لم يتحقق حتى الآن، إذ إنّ كل جهاز يجمع المعلومات ويُبقيها في حوزته، ما ينعكس سلباً على التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنيّة، إذ إنّ التواصل بينها ضعيف جداً، لأسباب تنافسيّة بحتة.

وتفيد المصادر نفسها أن بعض الأجهزة "تَمون" على قادة المحاور وفي إمكانها إفادة قيادة الجيش في هذا الاطار. ونزولاً عند رغبة هذه الأجهزة لم يوقِّع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قرار وضع كل الأجهزة في تصرّف الجيش، بل اكتفى بوضع 600 عسكري، إضافة الى المخافر الاقليمية في عهدة الجيش ظاهرياً، والجميع يعلم قدرة هذه المخافر المحدودة في هذا الاطار.

وعلاوة على ذلك لم يقدم المجلس الأمني الفرعي في الشمال، والذي يتبع عملياً لوزارة الداخلية، أيّ معلومات، اذ كان في إمكانه تزويد غرفة عمليات الجيش كل المعلومات التي تحتاجها القوى العسكريّة المنتشرة في المدينة.

ربما تكون الأسباب داخلة في مجال التنافس، وربما للحفاظ على هامش المناورة والإستقلالية الذاتية الأمنيّة لكلّ جهاز أمني على حدة، ومن هنا يطرح السؤال التالي: أين تذهب المعلومات التي يجمعها الأمن العام وأمن الدولة وفرع المعلومات؟ وأين يتمّ استثمارها؟ ولماذا لا يكون هناك جهاز أمني واحد جامع لكلّ الاجهزة؟

وتضيف المصادر: "إنه خَلل تعانيه السلطة السياسيّة التي من واجبها تصحيحه بإنشاء جهاز يجمع كل هذه المعلومات لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية خصوصاً، ولنقل الأشياء بصراحة، إنْ كانت معلومات مخابرات الجيش في طرابلس غير كافية، خصوصاً أن المدينة تعجّ بالإرهابيّين، وبمعنى آخر إنّ طرابلس برميل بارود قابل للانفجار في أيّ لحظة.

وفي نهاية المطاف فإنّ كل القوى الأمنيّة تخضع لأوامر السلطة السياسيّة المتحكمة بمفاصل الامور، والجيش بتراتبيته الهرمية خاضع لقرار مجلس الوزراء وللمجلس الاعلى للدفاع والسلطات السياسية، وليس "فاتحاً على حسابه". وبهذا، يكون السياسيون أمسكوا بقرار طرابلس مجدداً، ولكن بقبضة فولاذية هذه المرة.

ولكن يجب عدم إغفال أنّ هذا الواقع العَبثي الذي تعيشه المدينة لا يصبّ إلّا في مصلحة المجموعات المسلحة فيها، والتي وجدت في جولات العنف المتكررة، وفي ضعف القيادات السياسية، فرصة سانحة لتحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها المؤسسة العسكرية، بدليل أنّ عدد العسكريين المصابين لم ينقص عن عدد جرحى كلّ من الطرفين المتنازعين.