أثارت تعيينات رؤساء الأقاليم الكتائبية الأخيرة في بيروت والمناطق بلبلة في أوساط الحزبيين، لما خلفته من مشكلات: في الرميل تعرض مسؤول المنطقة لضرب من الكتائبيين أنفسهم، وفي زحلة بات للنائب إيلي ماروني من يعكّر عليه صفاء جلساته الحزبية. كل ذلك عشية المؤتمر العام للحزب الذي يفترض أن يمهد الطريق أمام النائب سامي الجميّل لتسلم دفة الحزب
كان يكفي أن يخفت الحراك الحكومي قليلاً كي ينصرف حزب الكتائب إلى ترتيب بيته الداخلي. هكذا باشر الحزب، الاثنين الماضي، تعيين عدد من مسؤولي المناطق في بيروت وزحلة وجزين والقبيات وعكار تحت عنوان ضخّ دم جديد في الجسم الكتائبي. لم تمض ثلاثة أيام على تلك التعيينات التي سلكت طريقها من جعبة الأمين العام ميشال خوري إلى المكتب السياسي، فرئيس الحزب أمين الجميّل، حتى بدأت المشكلات تبرز تباعاً في كل منطقة على حدة.
في بيروت، عُيّن مختار منطقة الرميل في دائرة بيروت الأولى إيلي نصار، رئيساً لإقليم الرميل خلفاً لنبيه صوايا المتوافق عليه سابقاً بين النائبين سامي الجميّل ونديم الجميّل. ونصّار الملقب بـ«أبو شادي» ليس طارئاً على الكتائب، بل هو أحد مقاتليه، وتولى أيام الحرب مسؤولية جبهة الأسواق. وقد تنقّل أبو شادي في السنوات الثلاث الماضية بين مكتب الخدمات في بكفيا (مكتب سامي الجميّل) والمكتب السياسي، حيث عُين عضواً رغم عدم تناغمه مع نديم، لكنه قبل به على مضض.
إلا أن تعيين نصار الاثنين الماضي، يقول أحد الكتائبيين، حصل في غياب نديم الذي كان خارج البلاد، الأمر الذي أثار حفيظة نائب الأشرفية والدائرة الشبابية المقربة منه. ويوم الأربعاء الماضي، توجه نصّار إلى إقليم الكتائب ــــ فرع الرميل لمباشرة عمله الجديد. لكنه لم يكد يجلس على مقعده حتى «اقتحم مكتبه بعض الشبان الكتائبيين ليبلغوه أن الشيخ نديم ما معو خبر بتعيينك»، يقول كتائبي مقرب من المختار. سريعاً تطورت المشادة بين «شباب نديم» ونصار، «فبادر الشبان إلى ضرب أبو شادي ضرباً مبرحاً». لا تنكر أوساط نائب الأشرفية ما حصل، «فالنكاية بالنكاية وليست المرة الأولى التي تبادر فيها قيادة الكتائب إلى استفزاز نديم». إذاً، هي رسالة إلى الرئيس أمين الجميّل في المرتبة الأولى ومن ورائه سامي الجميّل الذي استقبل قبل شهور منافس نديم، مسعود الأشقر. لكن مسارعة الأب والابن إلى لملمة الحادثة، ببراغماتيتهما المعهودة، أثار استغراب بعض الحزبيين لعدم اتخاذ إجراءات بحق «نائب تمرّد على قرار المكتب السياسي وانهال شبابه بالضرب على أحد المسؤولين في قلب البيت الكتائبي». وزاد الطين بلّة أن نصار تعرّض أمس، أيضاً، للضرب من جديد.
شباب منطقة الرميل ينامون اليوم على جمر في انتظار أن ينصف الكتائب مسؤولهم والمدافع عن منطقتهم. يسأل أحدهم عمّا إذا كانت قد «صنفت القضية بالمسألة العائلية وجرت حلحلتها على هذا الأساس؟ وهل كان الحزب يتساهل مع المعتدي لو لم يكن نديم الجميّل؟». أما قرار تعيين أبو شادي الذي استفز نديم، فيبرره بـ«فشل مسؤول الرميل السابق في بسط نفوذه على المنطقة، الذي تُرجم حشداً ضعيفاً في مهرجان الحزب الأخير».
خزاقة ــ ماروني!
تختلف قصة قضاء زحلة عن بيروت. هناك اختار الحزب رولان خزاقة المحسوب على سامي لرئاسة الإقليم. و«يصدف» أن يكون خزاقة أحد مرشحي الكتائب عن المقعد الكاثوليكي. وتشير المعلومات إلى «علاقة باردة بين الرجلين، التي قد تحدّ من نفوذ ماروني داخل الإقليم وتؤثر على رصيده الشعبي».
وتقول مصادر في المكتب السياسي إن تعيين خزاقة جاء «رداً على هجوم مرافق ماروني على رئيس الإقليم السابق بيار مطران بالسلاح وإصابته رغم نفي مطران الحادثة وضبضبتها سريعاً»، وكأنها رسالة كتائبية إلى ماروني، شبيهة بالرسالة التي وُجهت إلى زميله في الأشرفية، تؤشّر إلى «بدء الكباش بين القيادة ومراكز القوى النيابية في الحزب من أجل تحجيم هذه القوى».
أما في جزين، فلا يمرّ يوم إلا يتحسر فيه الكتائبيون على «الزمن الجميل» أيام الوزير السابق إدمون رزق. فضعف الحزب اليوم في القضاء وشحّ الوجوه أدّى إلى اتصال القيادة بأحد الكتائبيين السابقين، ريشار أسود، لعرض رئاسة الإقليم عليه، ربما كمقدمة لترشيحه لاحقاً. وتشير المعلومات إلى أن أسود، غير المتحمس للسياسة وغير الكتائبي حالياً، قَبِل العرض وأبلغ من يعنيه الأمر أنه «ليس في صدد محاربة ابن عمه النائب زياد أسود الآن أو في الانتخابات النيابية». فيما يؤكد النائب أسود لـ«الأخبار» أن «خيار ريشار» لا يستفزه، بل يراه «سعياً للتقرب منه وتليين الأجواء مع التيار الوطني الحر».
في التعيينات الأخيرة، يبدو أن رئيس الحزب ونجله، منسق اللجنة المركزية، يكرران الخطأ نفسه الذي وقعا فيه خلال المشورة التي أنجزاها قبل بضعة أشهر في قضاء المتن الشمالي. يومها حرد بعض الحزبيين والتزموا منازلهم معترضين على سياسة الكتائب في التعيين. أما الاثنين الماضي، فقد سبّبت التعيينات شمالاً، بما فيها تقسيم إقليم عكار إلى اثنين، تململاً بين المحازبين لأسباب عدة: أولها تعيين خمسيني يدعى روبير نشار رئيساً لإقليم الشفت والجومة (مناطق عكار الأرثوذكسية)، رغم قلة شعبيته في مسقط رأسه (منطقة النفيسة)، وعدم تردده على منطقته «إلا نادراً»، يقول أحد رؤساء الأقسام الكتائبية في عكار، «رغم وجود بعض الوجوه الشابة النشيطة في معقل الكتائب الأرثوذكسي كأقسام منيارة، الجديدة، الشيخ طابا، الزواريب، كرم عصفور، القنطرة، حلبا والشيخ محمد وغيرها».
وإلى ذلك، أتى التقسيم «بماروني (نشار) إلى المناطق الأرثوذكسية وبأرثوذكسي هو ريمون جبور إلى المناطق المارونية أي إقليم الدريب». وجبور هو الآخر «ستيني متقاعد من شدرا، قليل الحركة».
أما سبب تلك التعيينات، فتردّه مصادر المكتب السياسي إلى «مراعاة المرشح عن المقعد الماروني شادي معربس الذي يصدف أنه مساعد الأمين العام (ميشال خوري) لشؤون الشمال في الكتائب. وقرب الأخير من خوري أكسبه معاملة مميزة قضت بعدم تعيين رئيس إقليم ماروني في منطقته المارونية (القبيات) حتى لا ينافسه لاحقاً». أما أرثوذكسياً، فقد أقصي مسؤول منطقة عكار جورج سعود «بسبب سوء العلاقة التي تجمعه بالأمين العام والتي تطورت إلى تلاسن عشية مهرجان الكتائب». وفي التفاصيل، أن خوري طلب من سعود «حشد نحو ألف شخص ونقلهم بالباصات إلى بيروت، وعندما طلب سعود من الأمين العام دفع تكاليف الباصات، تململ الأخير ولم يلبّ طلبه، فاعتذر سعود من سائقي الباصات وأبلغهم فشل الصفقة، وتوجه وبعض الكتائبيين الملتزمين بمفردهم إلى مكان الاحتفال. ليلاً أمطر خوري مسؤول منطقة عكار بالكلمات النابية لعدم حشده جمهوراً من الشمال، وبدأ الخلاف بينهما».
يلحظ بعض المراقبين للرئيس الجميّل وابنه سامي سعيهما، من خلال التغيير الكتائبي الأخير، إلى كسر المبادئ التوافقية بينهما وبين قوى 14 آذار ورفع (ربما من دون قصد) أرصدة التيار الوطني الحر. فخلق المشكلات في الأشرفية يريح منافس نديم الجميّل، مسعود الأشقر، واستفزاز النائب ماروني في زحلة يقوّي خصومه. كذلك يربك ترشيح معربس في القبيات النائب هادي حبيش ويفيد التيار الوطني الحر في جزين تعيين قريب للنائب أسود. ويتساءل البعض: لماذا لم تأخذ قيادة الكتائب برأي نواب المنطقة قبل تعيين المسؤولين على غرار ما حصل قبل خمسة أشهر في البترون حيث نال رئيس الإقليم لحود موسى مباركة النائب سامر سعادة قبل تعيينه.
وفي المقابل، لا يستغرب البعض ما سبق، بعدما أعلن سامي الجميّل «المواجهة الشاملة» مع حلفائه خلال مقابلته التلفزيونية الأخيرة؛ إذ انتقد قرار رئيس الهيئة التنفيذية في القوات سمير جعجع بعدم المشاركة في الحكومة. ولا يمكن، بحسب مطلعين، أن يكون التغيير الشامل في استراتيجية الكتائب محض صدفة أو مجرد «إعادة تنظيم»، وخصوصاً أن كل التعيينات تدور في فلك «صقور» سامي الجميّل والمحسوبين عليه، فضلاً عن أنها تأتي عشية المؤتمر العام للكتائب الذي يمهد الطريق لتوريث سامي الجميّل الحزب برمته.