في الشكل، تعلو أسهم تشكيل الحكومة وتهبط وفقاً لجدول زيارات وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور. في الشكل أيضاً، كان من المفترض أن تكون تلك مهمة رئيس الحكومة المكلف تمّام سلام بالتعاون مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، باعتبار أن الأول يوفّق والثاني يوافق على التأليف. لكن «عدائية» سلام وتمترس سليمان خلف قوى 14 آذار حالا دون تحقيق ذلك، بعكس انفتاح رئيس الحكومة السابق سعد الحريري على الخصوم (خلال عملية التأليف) وليونة الرئيس نجيب ميقاتي الجزئية.
سريعاً، خلت الساحة لأبو فاعور، وبات «دينامو الجمهورية» يغزل الحقائب الحكومية بين بعبدا وعين التينة والرابية وقريطم و... المصيطبة!
هذا في الشكل، إلا أن باطن الأمور يشير إلى وجهة واحدة، المختارة. فموقع رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط الوسطي مكّنه من التجوال بين ألغام مختلف الكتل، الأمر الذي فشل في تحقيقه الخليلان ووزير الطاقة والمياه جبران باسيل وسلام نفسه. هكذا تمكّن مندوب جنبلاط إلى الأطراف السياسية بلياقته وحرصه على مراعاة مطالب الجميع من تسويق وجهه في كل «الدارات» السياسية. يصعب على محاوريه معاداته. فعندما ينوي إيصال رسالة حادة، يحرص على إيصالها بمزحة ولو ثقيلة. تُستثنى من ذلك الحالات التي وجد فيها أبو فاعور نفسه مضطراً للدفاع عن «الريّس»، إذ يمكن سماع الوزير اللبق يحقّر مهاجمي وليد بيك.
بات «وائل» في فترة وجيزة قبلة الصحافيين الباحثين عن سبق حكومي وآخر السمسرات السياسية في سوق الحقائب الوزارية. لا يمكن هنا التصديق كيف يتفاءل بلد بسياسييه ومسؤوليه وتجاره واقتصادييه وعماله وربات منزله وشبابه عندما يتفاءل أبو فاعور (لا سلام) من جولاته المكوكية، وكيف يضيّع هؤلاء بوصلتهم السياسية عند «اختفاء» الأخير ويتشاءمون عند التزامه منزله مقتنعين بحصول عرقلة في مساعي التشكيل. أما عندما يقرر الشاب الاشتراكي التفرغ لدائرته الانتخابية، فيفترض الجميع أنه في إجازة، ما يعني أن التأليف قد تعطل! وفي الواقع، يمكن اللبنانيين أن يصدقوا أن أبو فاعور لا سلام، من كلّف تأليف الحكومة، بعد أن أصبح سلام كما غيره من السياسيين ينتظر زيارة أبو فاعور بشغف للاطلاع على آخر التطورات الحكومية.
من يعرف أبو فاعور جيداً يفهم سريعاً قدرة الأمين العام السابق لمنظمة الشباب التقدمي على التسلل إلى حديقة السياسيين الخلفية، تماماً كحرصه يومياً بعد انتهاء دوامه في مصرف لبنان (سابقاً) على التسلل إلى كليمنصو وقلب شاغلها. وسهولة حبكه للعلاقات الاجتماعية ليست مستجدّة، بل رافقته منذ نشاطه الطلابي في الجامعة الأميركية حيث تمكن من شبك مجموعة علاقات مع شباب الأحزاب الأخرى، وخصوصاً الحزب السوري القومي وحزب البعث. لا يمرّ أبو فاعور على مجموعة مرور الكرام، بسرعة تأخذه علاقاته الطابع الشخصي وتستمر.
تمكّن بنشاطه ودبلوماسيته من حجز موقع له في المختارة ومقعد نيابي في راشيا ومكانة عند الحريري وفريقه جرّاء وجوده الدائم بين الشباب في اعتصام «ثورة الأرز» في وسط بيروت، عام 2005. الأمر الذي دفع الحريريين إلى صون علاقتهم به، فحتى عندما ساءت الأمور بين المستقبل وجنبلاط، وتوقفت خدمات تيار الحريري لمناصريه، كان باستطاعة أهالي البقاع الغربي رؤية وفود المستقبليين في مكتب أبو فاعور. وعندما بدأ نجم وزير الأشغال غازي العريضي بالأفول، لمع سريعاً اسم وزير الشؤون الاجتماعية المقرّب جداً من ابن البيك، تيمور، فأصبح موفد المختارة المعتمد إلى كل الكتل النيابية والمسؤولين ورجال الدين بمن فيهم البطريرك الماروني. يمكن القول إن «بيكار» المختارة للعلاقات السياسية أصبح يدور اليوم حول شخص واحد لا غير. ما سبق لا يزعج الشباب الاشتراكي بتاتاً، بل غالباً ما يشيدون بـ«الرفيق وائل» في مجالسهم الحزبية، فيتمنى معظم الجنبلاطيين الذين برزوا في العمل الشبابي تكرارَ تجربته.
رغم براغماتيته، لا يضيّع الباحث في هوية أبو فاعور، فهو في صلب قوى 14 آذار خلافاً للعريضي الذي كان أقرب إلى قوى 8 آذار. وقد استطاع بسرعة أن يمتّن شعبيته في دائرته، حيث الأكثرية الشعبية للمستقبل. وفي أولويات النائب الجنبلاطي، تأتي راشيا في المقدمة، ثم باقي المسؤوليات. في وزارة الشؤون الاجتماعية، «زرع» أبو فاعور خلية اشتراكية يصعب تفكيكها. ما سبق جعله يتفوّق ـــ بالمقاييس «الاشتراكية» ــ على العريضي، غير القريب من أبناء منطقته (عاليه)، والذي لم يغزُ وزارة الأشغال كما فعل تلميذه السياسي في «الشؤون». حتى في ملعب «بلاغة الرفيق غازي»، تمكن أبو فاعور من فرض نفسه، خطابياً وزجلياً. يُسجّل له زملاؤه في مجلس الوزراء عدم حرقه أعصابهم بمداخلات لا يقل طولها عن 45 دقيقة في كل جلسة.
لكن لا بدّ لمن يظن أن أبو فاعور بلغ اليوم ذروة حياته السياسية من التمعن قليلاً في صداقته المتينة مع ابن البيك، تيمور، ليتروى في حكمه... ففرصة الشاب الذهبية لم تأت بعد بما أن تيمور لم يتسلم قيادة الاشتراكي بعد.
















































