35 سنة مرّت، ولا تزال "الثورة الإيرانية" حيّة في نفوسٍ الإيرانيين، المؤمنين بقضيتهم والمناضلين في سبيلها، أيًا كانت العواقب والأثمان..
تحقيق العدالة، نصرة المظلوم، احترام الإنسان كإنسان أولاً وأخيرًا.. كلّها مبادئ رفعتها ثورة نشبت أصلاً ضدّ شاهٍ اعتقد أنه مُحصَّنٌ ومحميٌ بفعل علاقاته الدولية، فإذا بالشعب يُسقِطه بالضربة القاضية، مبادئ يصرّ أنصار "الثورة" على أنها لا تزال هي هي..
أكثر من ذلك، يعتبر هؤلاء أنّ السنوات الخمس والثلاثين لم تغيّر شيئًا في روح "الثورة" التي ما زالت في عزّ "شبابها"، بل إنّ لها "نكهة خاصة" في هذه السنة، التي يصفونها بـ"الحاسمة"، "نكهة" لم تكن موجودة في السنوات السابقة..

نحن أصحاب مبادئ لا مصالح

"نحن أصحاب مبادئ لا مصالح"، هي عبارة مقتضبة يختصر من خلالها السفير الإيراني في لبنان غضنفر ركن أبادي كلّ شيء، من مفاهيم الثورة الإيرانية إلى الواقع الراهن ونظرة إيران إلى كلّ القضايا، ولا سيما المعاصرة منها.
ينطلق أبادي من الرسالة الأساسية للثورة ال​ايران​ية ألا وهي تحقيق العدالة ليؤكد، في جلسةٍ خاصة مع عددٍ من الصحافيين حضرتها "النشرة"، أنّ هذه الثورة لا تزال حيّة، بل أنّها تتجلّى وتتجسّد كلّ يوم، وهو الأمر الذي يؤكد عليه الدستور الإيراني أصلاً، الذي ينصّ بشكلٍ واضح وصريح على أنّ الإنسان بما هو إنسان يجب أن يُكرَّم، بغضّ النظر عن أيّ أمرٍ آخر.
ومن هنا، تتحدّد نظرة إيران إلى "حلفائها"، ذلك أنّ "كلّ من يؤمن بالله ويعتقد بإسعاد الإنسان، أي إنسان، هو حليفٌ لنا"، كما يقول أبادي، الذي يؤكد استعداد إيران لتقديم أيّ مساعدة لكلّ من يمتلكون هذه المواصفات قدر المستطاع، وهو الذي يحرص على التأكيد أنّ إيران لم تضحّ تاريخيًا بأيّ من "حلفائها" لحساب أيّ "مصلحة" من هنا أو هناك.
وفي هذا الإطار، تجوز "المقارنة" مع من تعتبرها إيران "خصمتها اللدودة"، الولايات المتحدة الأميركية، التي، وعلى عكس الجمهورية الإسلامية، ساومت على حلفائها في أكثر من مكان، منذ زمن شاه إيران وصولاً إلى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك..

الغرب هو الذي اقترب منّا...

يقول السفير الإيراني أنّ للاحتفال بعيد الثورة الإيرانية نكهة خاصة هذا العام. برأي كثيرين، تنبثق هذه "النكهة" من الاتفاق التاريخي الذي تمّ التوصل إليه مؤخرًا بين إيران والدول الغربية على خلفية الملف النووي الإيراني، بل يذهب هؤلاء لحدّ الغمز من قناة "انقلاب المفاهيم"، حيث تحوّل "الشيطان الأكبر" بين ليلةٍ وضُحاها إلى "صديق" وربّما أكثر.
هي قراءة لا تبدو دقيقة للمتغيّرات الحاصلة على هذا الصعيد كما يؤكد المسؤولون الإيرانيون، وبينهم السفير الإيراني، الذي يحرص على الجهر بأنّ إيران لم تذهب بتاتًا باتجاه الأميركيين والغربيين، بل إنّ هؤلاء هم من اقتربوا منها وهم من أصرّوا وألحّوا على ذلك، بل إنّ كلّ اللقاءات التي تحصل بين مسؤولين إيرانيين وآخرين أميركيين تتمّ بناءً على طلبٍ من الجانب الأميركي لا العكس.
لكلّ ذلك تفسيرٌ واحدٌ برأي السفير الإيراني، فلا الشعب الايراني ولا القيادة الايرانية ولا أيّ مسؤول في إيران يرضى بأيّ نوع من التنازل عن المبادئ، وينفي ما يُحكى عن تراجعٍ في نسبة التخصيب من 20 بالمئة إلى 5 بالمئة، مذكّرًا بأنّ إيران أصلاً كانت قد وضعت سقفًا لا يتجاوز الـ3.5 بالمئة. ويكشف عن طلبٍ تقدّمت به الدول الغربية لفتح أكثر من ملف في وقت متزامن، وهو ما رفضته إيران التي أصرّت على رفض فتح أيّ ملف قبل الانتهاء من الملف النووي، وهو ما حصل.

القرار للأغلبية الشعبية!

وإذا كانت الملفات التي لا تزال عالقة بين إيران والغرب لا تزال عديدة، فإنّ الملف السوري يبقى دون شكّ على رأسها، وهو الملف الأكثر "اشتعالاً" دون منازع في المنطقة منذ أكثر من ثلاث سنوات. لكنّ الموقف الإيراني منه لا يحتمل أيّ لبسٍ بالنسبة للسفير الإيراني، الذي يؤكد أنه منسجمٌ مع المبادئ التي لطالما رفعتها الجمهورية الإسلامية. "أعلنّا بأنّ الحلّ ينبغي أن يكون سياسيًا"، يقول أبادي، متسلّحًا بمبادرة النقاط الست الشهيرة التي طرحتها إيران منذ البداية، وتنصّ بنودها على وقف العنف وإجراء انتخاباتٍ نزيهة وتشكيل حكومة انتقالية، فضلاً عن تمهيد الأرضية للانتخابات الرئاسية.
وانطلاقاً من ذلك، لا تزال إيران عند موقفها الداعم للجهود السياسية، والتي يشكل مؤتمر جنيف 2 جزءًا منها، على الرغم من سحب الدعوة التي وُجّهت لها أصلاً في اللحظة الأخيرة، ويقول السفير الإيراني في هذا السياق: "أعلنّا أنّنا ندعم كلّ الحلول التي يكون جوهرها سياسيًا إلا أنّهم اشترطوا علينا القبول ببيان جنيف 1 وتأييده، وهذا ما اعتبرناه استخفافًا، إذ لا ينبغي على أحد أن يتحدّث مع الآخرين بهذه اللغة". ويضيف: "على الرغم من ذلك، نحن قلنا أنّنا سواء شاركنا أو لم نشارك سنبقى مساعدين على الحلّ السياسي، فنحن أصحاب المبادئ لا المصالح".
وفيما يرى أنّ المعركة في سوريا هي على السلطة وليست مذهبية أو دينية، ويرفض التعاطي مع موضوع المجموعات المقاتلة على الأرض السورية بانتقائيةٍ، يخلص قائلاً: "نحن إلى جانب سوريا وإلى جانب الأغلبية الشعب السورية، ولا يحق لأحد أن يتدخل في تقرير مصير الشعب السوري".

متفائلون.. ومنفتحون

وبدبلوماسيته المعهودة، يعرّج السفير الإيراني إلى الملفات الداخلية اللبنانية، دون أن يتوقف عند تفاصيلها التي تبقى "أصغر" من الملفات المحدقة بالمنطقة، انطلاقًا من المبدأ الإيراني القائل بعدم التدخل بشؤون الدول الأخرى، بل يذهب لحدّ "تحدّي" أيّ كان لإثبات أيّ أمرٍ يناقض هذا المفهوم في طريقة التعاطي الإيرانية مع لبنان.
ويبدو أبادي "متفائلاً" بقرب التوصّل لمَخرَجٍ لأزمة الحكومة اللبنانية، نافيًا أيّ ارتباطٍ بينها وبين سحب دعوة إيران من مؤتمر جنيف 2 وغيرها من الاستحقاقات الإقليمية، داعيًا جميع الأفرقاء إلى العمل بجدّ من أجل الوصول إلى حكومة جامعة بنّاءة تنطلق من ثوابت التضامن والتكاتف التي لا بدّ منها في مثل هذه المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها المنطقة.
وبصيغة "التفاؤل" نفسها، يتحدّث السفير الإيراني عن تقدّم التحقيقات في قضية التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف السفارة مؤخرًا، والذي فشلت الخطط المرسومة له "تنفيذيًا"، ويُشهد له هنا توجّهه بالشكل إلى كافة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي لعبت دورًا في مواكبته، وبينها فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي، متحدّثًا عن خطوات جبّارة تحققت على هذا الصعيد.
ومن "التفاؤل" إلى "الانفتاح"، يؤكد السفير الإيراني متانة العلاقات مع كلّ اللاعبين الداخليين من دون أيّ استثناء، شاطبًا عبارة "قطيعة" من قاموسه، مشدّدًا على أنّ اللقاءات تتمّ مع الجميع، وبعضها يُعلَن ويُنشَر فيما يظلّ بعضها الآخر طيّ الكتمان.
وحده السؤال عن مصير المساعدات الإيرانية المعلَن عنها على صعيدي التنقيب عن النفط وتسليح الجيش لا يجد الإجابة عند السفير، الذي يقول: "نحن أعلنّا استعدادنا، وبالتالي عليكم بسؤال الجانب اللبناني عن ذلك"!

البوصلة هي فلسطين..

ولا تتوقف سياسة "الانفتاح" عند الحدود اللبنانية، بل تتجاوزها، وصولاً إلى المملكة العربية السعودية، التي يبدي السفير الإيراني "تفاؤلاً" كبيرًا بأنّها ستُثمر اتفاقًا في زمنٍ قريب، ويشير إلى أنّ كلّ العالم يستطيع أن يستفيد من ثمار التعاون السعودي الإيراني إذا حصل، معربًا عن اعتقاده بأنه قريب المنال، وبأنّ الأمور لن تأخذ وقتًا طويلاً قبل أن تنجلي، وإن رفض الغوص في تفاصيل ذلك أكثر.
ويخلص السفير الإيراني إلى أنّ "البوصلة هي فلسطين"، ويكشف أنّ هذه البوصلة هي "المعيار" التي ترسم الجمهورية الإسلامية بناءً عليها سياستها، فكلّما كانت علاقة أيّ دولة وطيدة بإسرائيل كلّما كانت إمكانية تقدّم علاقتها بإيران منخفضة، وربما مستحيلة.
هي باختصار سياسة حدّدت سقفها بـ"مبادئ" يصرّ الإيرانيون على أنّها غير قابلة لـ"المساومة"، والتي رسمت "بوصلتها"، ليبقى كلّ ما عدا ذلك تفاصيل، لا أكثر ولا أقلّ!