جمع مسرح الأخوين الرحباني في دير مار الياس ــــ أنطلياس، أمس، بعض وزراء التيار الوطني الحر ونوابه وناشطيه ومرشحيه وفعالياته، اضافة الى رؤساء بعض بلديات المتن الشمالي وشخصيات قضائية واجتماعية وفنية. للوهلة الأولى، يصعب التصديق أن المناسبة لا تتعدى تدشين تنظمه الرهبانية الأنطونية. سريعاً يكشف رئيس الرهبانية عن مساهمة جورج عبود (أحد مرشحي التيار عن المقعد الكاثوليكي في المتن) في اعادة ترميم المسرح، وفيما يعتلي الأخير المنصة لتكريمه، يفاجئ الأب الحضور بدعوة وزير التربية الياس بو صعب، دون غيره، للانضمام اليهما.
يبدو المشهد سوريالياً في البداية: الرهبان، الوزير «النجم»، المرشح، فلاشات الكاميرات والتصفيق. ليس الهرج والمرج للنواب هنا برغم «استثنائية» اجتماعهم خارج طاولة التكتل: ادغار معلوف وابراهيم كنعان ونبيل نقولا وسليم سلهب وغسان مخيبر وهاغوب بقرادونيان. فصالة الكوكتيل التي تلت الحفل، تجمهرت حول بو صعب، وكادت تحمله على الأكتاف، وشُغلت بنشاط عبود حتى تلاشى حضور النواب نهائياً.
زرع النائب ميشال عون، منذ عودته الى لبنان، في كل قضاء دينامو؛ وحتى البارحة كان النائب ابراهيم كنعان لا يزال دينامو المتن الشمالي. أمس بات واضحاً أن حصانين عونيين دخلا ميدان الرابية. يختلف وضع بو صعب عن وضع عبود. استطاع الأول، خلال رئاسته لبلدية ضهور الشوير، القبض على المناطق المحيطة لبناء ركائز قوية في الجرد. وبرغم استقالته من البلدية، حافظ على نفوذه وتابع عمله فيها رغبة منه في الترشح مستقبلاً عن المقعد الأرثوذكسي. كان «الريّس» متيقناً من اعتماده على لائحة التيار الوطني الحر، لسببين: صعوبة ايجاد منافس له الا اذا رغب عون في تكرار «مزحة» غسان الرحباني مع النائب ميشال المر، وعلاقاته الأميركية والاماراتية التي تحتاج إليها الرابية. كان يكفي ملاحظة ما سبق لملء المقعد الأرثوذكسي الثاني الشاغر في اللائحة البرتقالية، لكن يبدو أن عون ينوي محاربة المر جديا هذه المرة، اذ عندما قرر اعتماد أرثوذكسي في الحكومة، وقع خياره مباشرة على بو صعب، برغم استياء بعض الناشطين من تفضيله «صديق العونيين» على العونيين أنفسهم. يدخل المرشح الأرثوذكسي اليوم من الباب الوزاري الى كل ضيع المتن الشمالي، لا الجرد حصراً. لا تشبه الحقيبة الوزارية منصباً بلدياً طبعاً، أو حتى كرسياً نيابياً برغم أهميته. تكفي مراقبة التطبيل والتزمير اللذين يرافقان دخول بو صعب الى أي مناسبة، للتأكد من أنه أصبح رقماً صعباً، كما مقعده. يزيد من صعوبة تجاهله، ظهوره بصورة الوزير الشاب القريب من الناس، خلافا للوزراء المتنيين السابقين. وباتت أخيرا سيرة بو صعب تترافق وسط مجالس العونيين مع مجموعة من التساؤلات عن هوية رئيس اللائحة المتنية مستقبلاً.
برغم وضوح الصورة الأرثوذكسية في المتن الشمالي، أبقي المقعد الكاثوليكي على غموضه بعد اعلان النائب ادغار معلوف عدم رغبته في الترشح مجدداً. وكان من الممكن، حتى فترة وجيزة، التسليم بأن غسان رحباني آخر سيحلّ كاثوليكياً، لكن منذ بضعة أشهر، غيّر شاب تلك المعادلة بحيث فرض نفسه على الرابية من البوابة الخدماتية. عرف عبود من أين يبدأ، فحرص على بناء علاقات متينة مع «اللوبي الكاثوليكي». وخلافاً لما يظنه البعض، يمثل هذا اللوبي قوة ضغط في المتن أكان من خلال المدارس أو بواسطة الأديرة. انتقل بعدها الى أداء دور النائب في بلدات الساحل خصوصاً، حيث عزز علاقاته برؤساء البلديات من مسقط رأسه (ضبيه) وصولا الى الدكوانة وغيرها. حرص على خدمة عائلة واحدة على الأقل في كل بلدة، حتى يوسع رقعة امتيازاته عن باقي المرشحين. وأيضا وضع نفسه في خدمة النواب حتى لو كان ذلك يعني تمويلا لمشاريع ينسبونها لأنفسهم. حتى يوم أمس، كان المقاتل السابق في حزب الوطنيين الأحرار واحداً كغيره من الطامحين المغمورين الى النيابة، يتجاهل وجوده الكثيرون ويتعمدون تغييبه، لكن بدا واضحا في حفل البارحة أن عبود بنى لنفسه هالة يصعب اغفالها بعد اليوم. ففي مناسبة بسيطة كتدشين مسرح، استطاع ايصال رسالة جدية الى الرابية. لم يقتصر الحضور على التيار الوطني الحر، بل شمل أيضا ممثلا للرئيس أمين الجميل، والنائب سامي الجميل، وممثلاً للمدير العام لقوى الأمن الداخلي ورؤساء بلديات مقربين من المر. لذلك سيفكر عون مرتين في الانتخابات المقبلة قبل استبعاد حصان كاثوليكي أعاد احياء قاعدة طائفته التي كان التيار قد أهملها.
اليوم فقط، أصبح الحديث عن لائحة شبه مكتملة للتيار في المتن الشمالي أمرا سهلا. يمكن لعون الآن استعادة أنفاسه، وخصوصا أن الحصانين العونيين يضيفان إلى رصيد نواب التيار. ففيما يجاهر عونيو المتن بعداوتهم للكتائب والمر، يحافظ بو صعب وعبود على علاقتهما الجيدة بالطرفين. يصعب هنا على الخصم محاربتهما وهما لا يوفران مناسبة الا ويبتسمان له. وللمرة الأولى منذ عام 2005، يمكن لعون خوض معركة جدية مجددا وأكل أخضر خصومه ويابسهم... شرط أن يأخذ قراراً جدياً بايقاف مناكفات فريقه وحثهم على العمل كفريق واحد، لا كمنافسين لبعضهم بعضاً.