لا يكاد يمرّ أسبوع من دون أن يتحدّث تقرير إسرائيلي جديد عن قدرات "حزب الله" العسكرية المتنامية، وحتى عن إستعداداته لإقتحام "الجليل"، أي كامل المنطقة المُحَاذية للحدود اللبنانيّة الجنوبيّة. فهل "حزب الله" يَنوي ذلك في أي حرب مقبلة؟ وهل هو قادر على ذلك؟

من المهمّ في البداية التذكير أنّ الهضاب المرتفعة في منطقة "الجليل" تُمثّل مواقع إستراتيجيّة لإسرائيل من الناحية العسكرية، كونها تُطلّ على مناطق واسعة داخل لبنان وسوريا (1). والأكيد أنّ التركيز الإعلامي الإسرائيلي على الخطر المُتنامي على سكّان المناطق الحدودية، وعلى تعاظم قوّة "حزب الله" البرّية، وليس الصاروخية فحسب، يدخل في سياق الرسائل الدَوريّة إلى العالم الغربي، وتحديداً إلى الولايات المتحدة الأميركية، في ضوء تقدّم المفاوضات المباشرة مع إيران، لاستغلال الأمر في أيّ مطالب إسرائيلية مقبلة من أميركا أو أوروبا. لكن في الوقت عينه، تعتبر القيادة العسكرية للجيش الإسرائيلي إحتمال تعرّض القرى والبلدات الفلسطينيّة التي تحتلّها إسرائيل على الحدود مع لبنان لهجوم مباشر، خطراً محتملاً إرتفعت نسبته في الماضي القريب، وأنّ من الضروري التنبيه إليه والعمل على مواجهته.

يُذكر أنّ إسرائيل التي تعلّمت من أخطاء "حرب تمّوز" من العام 2006، تحاول منذ ثماني سنوات حتى اليوم، معالجة الثغرات التي واجهتها، وفي طليعتها الفشل الإستخباري في كشف مواقع إطلاق الصواريخ، لشلّ قدرة "المُقاومة الإسلامية" على إلحاق الخسائر البشرية والأضرار المادية في العمق الإسرائيلي. وإذا كانت هذه الخسائر التي وقعت في المعركة الماضية، جاءت أكبر بأضعاف في الجانب اللبناني مقارنة بالخسائر في الجانب الإسرائيلي (2)، نتيجة الخلل في موازين القوى على مستوى السيطرة الجويّة الإسرائيليّة بشكل خاص، فإنّ هذه الهوّة آخذت بالإنحسار نتيجة عمل "حزب الله" المستمرّ على تقوية قدراته الدفاعية ضد سلاحي الجوّ والبحر الإسرائيليّين، والأهم على رفع قدرات إطلاقه للصواريخ، وتحسين الفعالية التدميريّة لهذه الصواريخ، ودقّة إصاباتها. وبالتالي، إذا كانت إسرائيل قد شنّت أكثر من 4500 غارة في "حرب تمّوز" على مدى 34 يوماً من المواجهات، فإنّها في أيّ حرب مقبلة، غير قادرة على رفع هذا العدد إلا بشكل طفيف، وتركيزها هو على كشف مواقع إطلاق الصواريخ وتخزينها وعلى تحسين الفعالية التدميريّة لهذه الصواريخ بطبيعة الحال. كما أنّها تُخطّط لإستخدام قوّة نارية هجومية كبيرة من البداية، وليس بالتدرّج، كما حصل في "حرب تموز" (3).

في المقابل، إنّ "حزب الله" الذي ردّ بإطلاق أكثر من 4000 صاروخ إضافة إلى مئات قذائف الهاون في "حرب تموز"، أصبح يملك حالياً قدرة نارية أكبر بكثير من السابق. وهو بدوره تعلّم من "ثغرات" المواجهة السابقة، بحيث عمد إلى تقليص عدد الصواريخ التي تُطلق من سيارات "بيك آب"، كونها سهلة الكشف والتعرّض للقصف من الطيران الحربي الإسرائيلي، مع ما يعنيه هذا الأمر من مخاطر على حياة المقاتلين، كما هي الحال بالنسبة إلى مسألة حمل الصواريخ بشكل إفرادي، وإطلاقها من أي بستان أو واحة مفتوحة. وبالتالي، عمد "حزب الله" إلى زيادة عدد الأنفاق المخفيّة تماماً تحت الأرض، والمزوّدة في نهايتها بفتحات معدنيّة مغطّاة بالرمال والحصى. ويتم فتح هذه الأغطية المعدنيّة على غرار تقنية فتح غطاء صندوق السيارة، إمّا يدوياً أو بتحكم كهربائي عن بُعد في بعض الحالات، لتنطلق من تحتها صلية من الصواريخ، قبل أن تعود الفتحة لتُغلق من جديد، على أن يتمدّد شهب إطلاق الصواريخ داخل النفق نفسه المزوّد بفتحات تهوية مختلفة. والمسألة لا تدوم إلا بضع ثوان، الأمر الذي يصعّب على الطيران كشفها.

وبالنسبة إلى ما إذا كان "حزب الله" ينوي محاولة إقتحام "الجليل" فالأكيد أنّ الخطوة موضوعة على طاولة البحث جدياً، لجهة ما يُمكن أن تؤمّنه من إيجابيّات في أيّ مواجهة مُقبلة، وما يمكن أن تُسبّبه من أضرار. والإيجابيّات تتمثّل في التسبّب بإنهيار معنوي ساحق في صفوف الجنود الإسرائيليّين بمجرّد التمكّن من تجاوز الحدود ولو لمسافة قصيرة، وإمكان قلب موازين المواجهة المقبلة كلياً، من خطة لتدمير قدرات "حزب الله" العسكرية عموماً والصاروخيّة خصوصاً، إلى خطة لاسترجاع الأماكن التي تقدّم إليها مقاتلو "الحزب". لكن السلبيّات تَكمن في تحوّل هذا الأخير من موقع المدافع عن الأرض ضد أيّ عدوان إسرائيلي محتمل، إلى موقع "المُعتدي" على الآخرين بنظر دول العالم أجمع. ويخشى "الحزب" القادر من الناحية العمليّة على التقدّم إلى الأراضي التي تحتلّها إسرائيل، والسيطرة على بلدات عدّة فيها، في حال تنفيذه هجوماً مباغتاً، من أن تُصبح قوّاته المتقدّمة مَكشوفة أمام نيران سلاح الجوّ الإسرائيلي، نتيجة غياب أنفاق الحماية كما هي الحال في قرى الجنوب اللبناني، وأن تقع في حصار ناري من الجوّ يحول دون وصول الإمدادات والذخائر إليها. ومن بين العوائق الديموغرافية أنّ نصف سكّان الجليل هم من العرب، من مسلمين ودروز ومسيحيّين، مع أقليّة "شركسيّة"، ما يعني أنّ الإستشراس في المعارك داخل "الجليل" سيُوقع بدون شكّ خسائر كبيرة في صفوف غير الإسرائيليّين، وهذا طبعاً ليس في صالح "الحزب".

في الخلاصة، ما لم تكن إسرائيل جاهزة ميدانياً بقوّات كبيرة على الحدود عند إندلاع أيّ مواجهة مقبلة، فإنّ "حزب الله" قادر على مباغتتها بهجوم إلى داخل "الجليل"، لكن قرار إطلاق هكذا هجوم لا يُمكن أن يُتخذ من دون دراسة الإرتدادات التي يُمكن أن تنجم منه، ليس على طبيعة المواجهة اللبنانيّة – الإسرائيليّة فحسب، بل على وضع الجبهة الجنوبية ككل، وعلى حياة المقاتلين، وكذلك على المدى الذي يُمكن أن يبلغه عندها الردّ الإسرائيلي.

(1) المنطقة المحاذية للحدود اللبنانية هي بأهمّية مضاعفة، كونها تُسمّى "الجليل الأعلى"، بينما المناطق الأبعد والأعمق جغرافياً تُسمّى "الجليل الأسفل"، في حين أنّ المنطقة الساحلية تُسمّى "الجليل الغربي". حتى أنّ إجتياح لبنان في العام 1982 تمّ تحت ستار عمليّة "سلامة الجليل" بحسب التسمية الإسرائيليّة.

(2) بلغ عدد الضحايا اللبنانيّين 1181 شهيداً، أغلبيتهم من المدنيّين، إضافة إلى 4051 جريحاً، وتدمير نحو 900 مبنى ومصنع ومزرعة، ونحو 15,000 منزل وشقّة، مع تسجيل خسائر إقتصادية هائلة في البنى التحتية والقطاعين الإقتصادي والسياحي. في المقابل، سقط في إسرائيل 157 قتيلاً، بينهم 39 مدنياً فقط، والباقي من العسكريّين، إضافة إلى 860 جريحاً، وتضرّر نحو 6000 مبنى ومنشأة، مع كل الإرتدادات السلبية للحرب على القطاعين الإقتصادي والسياحي وغيرهما.

(3) أشركت إسرائيل نحو مئة ألف عسكري في عدوان إجتياح لبنان في العام 1982، مزوّدين بأكثر من ألف ومئتي دبابة هجومية، ومدعومين من سلاحي الجوّ والبحر، بينما في "حرب تموز" كان عدد العسكريين المشاركين في العملية نحو عشرة آلاف في بدايتها، ونحو ثلاثين ألفاً قُبيل نهايتها.