«دولة الرئيس نبيه بري، أعرف أن التمديد مخالف للدستور وأعرف أن التمديد يتعرض للوكالة الممنوحة من الشعب...»، يمكن للواقف في قاعة المجلس النيابي سماع الجملة تتكرر أكثر من مرة بنبرات صوتية مختلفة. يصرّ أحد موظفي المجلس، قبيل كشفه عن هوية صاحب الصوت، على عدم ذكر اسمه تحسبا لأي رد فعل غير متوقع من النائب نقولا فتوش، الذي كان يتمرّن على إلقاء مطالعته في أحد مكاتب رئيس مجلس النواب نبيه بري. فقد آثر النائب الزحلاوي أن يكون أمس أول الواصلين الى ساحة النجمة، وأول الجالسين في القاعة العامة في انتظار دخول باقي النواب والوزراء. ربما تكون جلسة التمديد يوماً محرجاً في حسابات زملائه، الا أنها مناسبة مجيدة حتما له لكونه عراب قانون التمديد وأمه وأباه. لذلك لم يستطع النائب الزحلاوي اخفاء غبطته فور رصده النائب اميل رحمة، فهرع اليه طالبا منه الاستماع جيدا الى «مرافعته» لابداء رأيه فيها لاحقا: «محاميي ومنفهم عبعض».
وافق النواب على جدول أعمال الجلسة بسرعة خيالية، وها هو بند التمديد يطرح على الملأ، لينادي رئيس مجلس النواب نبيه بري على «صاحب اقتراح القانون» كي يبدأ مطالعته. مجدداً، وبنبرة عالية توحي بالنصر، وخصوصا أنه يتصدرّ المقعد الأول الى جانب مقاعد نواب كتلة الوفاء للمقاومة: «دولة الرئيس، أعرف أن التمديد مخالف للدستور (...) هذا ما نقوله لطلابنا في الجامعات (...) وان كانت الظروف الاستثنائية شرطا ضروريا لتبرير مخالفة الدستور»، وفيما كان فتوش يقرأ من ورقاته الخمس المطبوعة بأحرف واضحة، كان يمكن ملاحظة مدى اعجاب النواب بـ»عرّاب التمديد»: النائب وليد جنبلاط يضحك ويهز رأسه ايجابا، وزير المال علي حسن خليل نقل مقعده من المكان المخصص للوزراء الى مقعد محاذ لمقعد فتوش وقد استدار كليا نحوه. أحمد فتفت، هادي حبيش، زياد القادري وغالبية نواب المستقبل مذهولون بالمتحدث الفذ. نواب زحلة في القوات اللبنانية، برغم خصومتهم الكبيرة معه، يبصمون على كلماته بأعينهم. وحده الوزير ميشال فرعون غير مبال بما يقوله زميله، ينظر الى ناحية أخرى من القاعة، وقد آثر الارتخاء على مقعده ووضع رجل على الرجل الأخرى، حتى حين بدأ محامي زوجته التكلّم باللغة الفرنسية مستشهدا بأحد الفقهاء الفرنسيين، وفيما كان يقفز فتوش بين اللغات، ضاق صبر برّي طالبا منه اختصار «الجريدة»، فضاع تركيزه ليبدأ استعراض محطات تاريخية وأسماء مغالطة للواقع قائلا أثناء استشهاده بانتخابات عام 1992: «لكن عندما جاء رحمة الله عليه رئيس الحكومة الراحل نبيه بري»، فساد جوّ من الضحك بين النواب وتعقيب سريع من رئيس المجلس: «تجوز الرحمة على الحي والميت».
ويبدو أن «المجتمع المدني» أثار توتر مشرّع التمديد، فعمد الى مهاجمة حراكه، متحدثا عن ضرورة اطالة عمر المجلس النيابي كي لا يذهب هو وأعضاء المجلس في العشرين من تشرين الأول الى منازلهم ويبقى البلد أمام فراغ كبير». أما المفارقة، فكانت بتحذيره من عدم التمديد والوصول تاليا الى مؤتمر تأسيسي يقضي على الدستور، غامزا باللهجة الزحلاوية من قناة البطريرك بشارة الراعي: «ما عدش في عصا تشريع هان تنرفعها»، فيما المفارقة الأبرز انتقاد بري وأحد النواب المحسوبين على قوى 8 آذار (أي فتوش) للمؤتمر التأسيسي، فيما دأبت قوى 14 آذار على اتهام هذا الفريق بدفعه بالبلد الى هذه المرحلة.
برغم انبهار زملاء فتوش «بمرافعته»، لم يصفق له أحد عند انتهاء المطالعة كما توقع، لكن، لم ينته الأمر هنا، اذ قدّم مداخلة أخرى معترضا على نظرية «ميثاقية الأحزاب» بالقول: «اذا المسيحي ما كنش بحزب بطل ميثاقي وبتبطلوا تسمعوه؟»، فما كان من بري الا أن قطع الطريق عليه، مشيرا الى حديثه عن الموارنة لا عن كل المسيحيين. لم يكد النائب الزحلاوي يجلس مجددا حتى وجد فرعون فرصة لتبديل مقعده والانضمام الى نواب اللقاء الديمقراطي؛ غير أن حرصه على تجاهل فتوش لم يحل دون رفع يده تأييدا للتمديد لمدة عامين وسبعة أشهر بحسب قانونه. وحده النائب ايلي ماروني كان المنتصر الأكبر، اذ أنقذه القرار الكتائبي بمقاطعة الجلسة من تعريض نفسه لموقف شبيه بموقف فرعون.










































