أدّت كثافة الزيارات الرسمية للامراء الخليجيين وقادة بلدان المنطقة إلى تسارع وتيرة التطورات فيها واجتذاب اهتمام الرأي العام العالمي، ومن أبرز هذه الاحداث ما تردد من انباء حول اعادة الامارات والكويت ومصر فتح سفاراتها في دمشق.
أخيرًا، حصل التغيير في مواقف هذه الدول بعدما كانت تصرّ طيلة الأشهر الماضية على تغيير نظام الحكم في سوريا، في وقتٍ شهدت المنطقة أيضًا زيارة امير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الى تركيا واجتماعاته بكبار المسؤولين فيها والتوقيع على اتفاقات للتعاون الاستراتيجي بين البلدين وكذلك اجتماعه والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حيث تقرر معالجة المشاكل ووضع حد لتوتر العلاقات بين القاهرة والدوحة
ولوعدنا شهرا الى الوراء لشهدنا مؤتمر مجلس التعاون الخليجي في الدوحة واتخاذ قرار تأسيس قاعدة لقوة بحرية مشتركة في البحرين حيث يُعدّ القرار خطوة في سياق وضع قرار القمة الرابعة والثلاثين في كانون الاول 2013 في الكويت لبناء قيادة عسكرية مشتركة لمجلس التعاون تضم اسلحة البر والجو والبحر.
وكمواطن سعودي، يحق لي التساؤل حول مدى استمرار جهود قادة هذه البلدان في ظل بقاء الخلافات العميقة وهل اثمرت هذه الجهود عن نتائج وهل طرح قادة بلدان مجلس التعاون على انفسهم سؤالا عن السبب الحقيقي الكامن وراء اتخاذ مثل هذه القرارات والم يكن من الأفضل لهم وضع خلافاتهم جانبا ومن ثم التخطيط حول الشؤون الاقليمية، وفي مثل هذه الحالة لن نشعر كمواطنين عرب بالذل بل سنفخر بأنفسنا.
إنّ أيّ مواطن خليجي يتساءل حول معنى عودة سفراء الامارات والكويت ومصر الى سوريا. ألا يعني ذلك الالتفاف على سياسات المملكة السعودية التي تخطط لتغيير نظام بشار الاسد الدكتاتوري في سوريا؟ ألا تعني عودة هؤلاء السفراء اضفاء الشرعية على حكومة الاسد؟
إنّ أيّ مواطن خليجي يتساءل حول دوافع زيارة امير قطر لتركيا بعد اختتام اعمال مؤتمر مجلس التعاون في الدوحة والتوقيع على وثيقة للتعاون الاستراتيجي مع تركيا التي تدافع عن جماعة الاخوان المسلمين. ألا يعني ذلك الالتفاف على قرارات مؤتمر الدوحة وتشديد الخلافات مع السعودية والامارات والبحرين؟
ولايغيب عن بالنا اشتراط السعودية والامارات والبحرين على قطر، خلال اجتماع الدوحة، التخلي عن سياسة دعم الاخوان المسلمين وتغيير سياساتها حول هذه الجماعة. لكن ألا يعني تعزيز الاواصر الاستراتيجية مع الحليف القديم للجماعة في المنطقة، اي تركيا، الالتفاف على سياسات مجلس التعاون والبلدان الخليجية الثلاثة وعدم تعاون قطر مع المجلس؟
ويثار سؤال لكل مواطن خليجي حول دوافع مصر من وراء تجديد محاكمة 3 مراسلين عاملين في قناة الجزيرة ومحتجزين في القاهرة، ألم يمنح الرئيس المصري عبدالفتّاح السيسي وعدا للملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز بتغيير سياساته حيال قطر وقناة الجزيرة؟ الا تعني محاكمة مراسلي "الجزيرة" إضافة لُبْنات أخرى على جدار عدم الثقة المرتفع بين البلدين وعدم جدوى مساعي السلطات السعودية في تطبيع العلاقات بينهما؟
وكذلك فانه رغم الاتفاقات التي توصل اليها القطريون والسعوديون من وراء الستار لاسيما في اجتماع الدوحة حول تقييد نشاطات اعضاء جماعة الاخوان المسلمين وخاصة نشاطات الشيخ يوسف القرضاوي في قطر إلا أنّ مصادر دبلوماسية مطلعة أفادت أنّ القرضاوي لم تقيد نشاطاته بل يشارك في مختلف الاجتماعات التي تنعقد في الدوحة حاليا ومنها حضوره في اليوم الوطني العماني في 18 تشرين الثاني الماضي حيث انه وخلافا للمرات السابقة بقي حاضرا حتى نهاية المراسم لكي يؤكد مرة اخرى انه لايتعرض الى ضغوط من قبل المسؤولين القطريين. ألا يعني هذا التصرف وجود خلافات عميقة بين القادة الخليجيين؟
ان التطورات الجارية تجعل المواطنين الخليجيين يتساءلون عما اذا كان قادتهم وحكوماتهم يستطيعون وضع حد لخلافاتهم على صعد الهوية والحدود والاتفاق على تاسيس قيادة عسكرية مشتركة فيما عجزوا عن الاتفاق سابقا على قضايا أقل شأنا كالموقف السياسي المشترك حيال سوريا او جماعة الاخوان المسلمين؟
ان قادة البلدان الخليجية الستة حين قرروا تأسيس مجلس التعاون في اجتماعهم قبل اكثر من 3 عقود، عقدوا نواياهم على الدفاع عن الاسلام والقدس الشريف وفلسطين في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، ولكن يا ترى ما الذي حدث بعد ذلك حيث تقيم هذه الحكومات حاليا علاقات تجارية واقتصادية خفيّة مع اسرائيل وحتى انها باتت لا تشعر اليوم بالخوف او الخجل من ظهورها الى العلن، ولماذا لم يصدر قادة مجلس التعاون بيانا يدعم بقوة حقوق الشعب الفلسطيني او يبدي الدفاع عن الهوية الاسلامية وهل ان دماء العرب في فلسطين أدنى قيمة من دماء عرب الخليج؟
لو عدنا على مدى ثلاثة عقود الى الوراء، لرأينا انه بعد انهيار النظام الملكي في ايران عام 1979 وانتصار ثورتها كانت مساعينا تصب لصالح معارضي ايران على الدوام، ووقفنا الى جانب نظام صدام حسين ومنحناه انواع الدعم العسكري والمالي لاسقاط النظام الايراني الا انّه غزا الكويت فور انتهائه من حرب ايران وفي المقابل وقف الايرانيون الى جانب دولة الكويت في مواجهة صدام. وفي الشؤون الاقليمية الاخرى كسوريا وفلسطين ولبنان واليمن والتطورات العربية كانت مواقفنا مناهضة لطهران تماما الا ان هذه الممارسات لم تؤد سوى الى فشل الدول الخليجية على صعيد سياساتها الخارجية.
لقد وجهنا التهم لايران حيال برنامجها النووي وقلنا انه يعرض امننا للخطر، من لايعلم اليوم ان الكثير من سياسات وقرارات مجلس التعاون كتأسيس مقر قيادة عسكرية مشتركة بثلاث قوى برية وجوية وبحرية انما هو من اجل مواجهة ايران التي لو نظرنا الى تاريخها لرأينا أنها لم تقم بأيّ على بلد ما، وعلى العكس تسعى اسرائيل الى النفوذ في الدول العربية والهيمنة على جيوشها وتأجيج الصراعات فيما بينها واضعافها وصنع التبعية للغرب وهنا لا بدّ لنا من التساؤل عن نتائج اضعاف الجيوش العربية في مصر وسوريا واليمن وليبيا ولصالح اي بلد ونظام تصب؟
ان ايران احرزت نفوذا كبيرا في المنطقة، رغم تعرّضها لحظر واسع، سواء في لبنان وسوريا ومصر واليمن والبحرين وافغانستان فيما انفقنا في هذه البلدان مليارات الدولارات دون جدوى.
ومن جهة اخرى، بالنظر الى اننا ليس لدينا فهما صحيحا عن الصديق والعدو في سياساتنا الخارجية، فاننا نسعى بمساعدة الغرب الى اختلاق عدو مشترك (ايران) لكي نقول لشعوبنا انها عدوة لنا، اليس من الافضل ان نفتح عيوننا جيدا ونتعرف على العدو الحقيقي للعرب؟
ان الحكومات الخليجية عزمت على تأسيس مقر لقيادة عسكرية مشتركة لكي ننعم بالامن والرفاهية، ولكن الا يعلم الامراء الخليجيون ان الشعوب أكثر وعيا من هذه القرارات الشكلية؟ وهل ان تشكيل مقر قيادة مشتركة امر ممكن التحقق في ظل عوائق منها (الخوف والتنافس بين الحكومات الخليجية، (انعدام الكوادر وذوي الخبرات والاختصاصيين من المدنيين والعسكريين) ، في ظل وجود هويات قومية ومذهبية متعددة في الخليج تستخدم كادوات ضغط على بعضها البعض، ووجود خلافات حدودية، وعدم الانسجام في الادوات والاسلحة، واستمرار التوتر في العلاقات والممارسات المتضاربة بين دول الخليج؟
اننا كخليجيين نرى من الافضل تركيز الاهتمام على شعوبنا ومواطنينا بدلا من هذه القرارات الجوفاء التي ستبقى على مستوى الاحلام والحبر على الورق، وبعد كل هذه التطورات التي طرأت في اليمن وتونس ومصر وليبيا وسوريا فان اوضاع الحكومات الخليجية لا تبدو لمواطنيها على مايرام.
ان السعودية في القرن الحادي والعشرين لا نجد انتخابات فيها وليس للنساء ادنى حقوق، الكثير من مواطنينا يعانون من الفقر وفي قطر ليس هناك حق للمواطنة وفي البحرين دخل الشعب في صراع مع الحكومة لنيل ابسط حقوقه، وللاسف لايتمتع المواطن الخليجي في بلده بأبسط الحقوق فيما يجتمع قادة مجلس التعاون لاتخاذ قرارات حول التأسيس للديمقراطية في بلدان اخرى او يخططون لشراء الطائرات الحربية والصواريخ والاسلحة لملْء جيوب الغربيين.
نتساءل كمواطنين حول هوية الدولة التي تهددنا عسكريا والتي تتطلب منا شراء كل هذه الاسلحة والمعدات العسكرية فيما يعمل الغرب في ذات الوقت على تدميرنا ثقافيا وطمس هويتنا العربية والاسلامية.
ان النشاطات التي قام بها اعضاء مجلس التعاون والاجتماعات العديدة التي عقدوها طيلة الاشهر الماضية ليس لها سوى معنى واحد يتمثل بتذكية الخلافات والسياسات العدائية التي تعمق الهوة بين بلدان الخليج والتي لم تستطع طيلة عمرها القصير صون مصالحها الوطنية في اي مجال، والحفاظ على الهوية المستقلة العربية لها ولمواطنيها.
لم تستطع هذه الدول حتّى الآن تشخيص الصديق من العدو الحقيقي ولم تستطع تشخيص قيم الاسلام الحقيقي من الباطل، وماتزال تفتح نيران اسلحتها على الناس والعشرات من الامور الاخرى. فهل يعلم امراء الخليج ان الشعوب بدأت تدرك ما خفي عليها سابقا من شؤون الحكم والسلطة وتعلم جيدا ان مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات لا تنطوي الا على مظاهر براقة وقرارات خادعة.




















































