تعيش المنطقة منذ فترة غير طويلة، تحت تأثير "منخفض حواري" ولو أنه بطيء، وذلك رغم وجود العديد من المنظمات الارهابية واستمرار الحرب في سوريا والتوترات في لبنان والعراق والبحرين... ومع اعتياد المواطنين في دول هذه المنطقة على أخبار المجموعات الارهابية وتصرفاتها السيئة، كان لافتاً حصول توجه نحو الحوار وإعادة التواصل بين بعض الافرقاء في ظل التشاؤم الميداني في أكثر من بلد.
ويجري الحديث أيضاً عن إمكان إعادة وصل الخيوط بين السعودية وايران، في حين أنّ الكويت اتخذت قرارها بالسماح بعودة دبلوماسيين سوريين إلى أراضيها وفتح السفارة كمؤشر على الاعتراف بأنّ طريق الحرب هناك لم يوصل إلى الهدف المنشود للاطراف المتصارعة، وأنّه لا بدّ باتالي من إعادة النظر في التوجه السياسي.
ومن الطبيعي أن تكون كلّ خطوة في أيّ بلد في الشرق الأوسط تحت غطاء اقليمي ودولي وإلا كُتِب لها الفشل. من هنا، يمكن وضع الحوار المحلي الذي يدور بين "حزب الله" و"تيار المستقبل" والذي أرسى مناخاً هادئاً انعكس على أكثر من ملف لعل أبرزها الملف الامني وكانت باكورته إنهاء وضع المبنى "ب" في سجن رومية والحديث المتنامي عن تطبيق الخطة الامنية لمنطقة البقاع الشمالي.
ومن المرجح أن تمرّ "غيمة" المواقف التي أطلقها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله والتي أثارت استياء دول خليجية اعتبرت أنّه بمثابة تدخل في شؤونها، دون أيّ تعقيدات أو تداعيات كبيرة.
وحدها المواقف التي تطلق بين "حزب الله" واسرائيل، وخصوصاً في الآونة الاخيرة تخرق كل هذه المعطيات السائدة في المنطقة وتعيد مشهد الحرب إلى الاذهان، فما الذي يشعل هذه المواقف؟
في البداية، من المنطقي جداً أن يكون إطلاق المواقف بين طرفين متصارعين، بهذه الحدية والتصعيد، فلا الحزب في وارد التواصل مع اسرائيل، ولا الاسرائيليون في وارد تخفيف اللهجة حيال الحزب. وقد أراد الحزب أن يؤكد مجدداً جهوزيته التامة إنما هذه المرة بطريقة أكثر إثارة للتساؤلات، وذلك حين أعلن أنه يملك كلّ أنواع الاسلحة التي تخطر أو لا تخطر على بال اسرائيل.
أما السبب الثاني لهذا الاعلان، فهو للتشديد على أنّ ما تم كشفه من عملاء لاسرائيل داخل الحزب لم يؤثر على قدرة "حزب الله" أو على معنوياته.
في المقابل، تتمسك اسرائيل بتهديدها بين الفينة والاخرى باعادة لبنان عشرات السنوات الى الوراء، في حين أنّ التقارير التي تضعها مؤسسات عسكرية واستخباراتية وامنية، تشير بما لا يقبل الشك إلى أنّ ما ستواجهه في أيّ حرب مقبلة مع "حزب الله"، سيؤثر على الحياة اليومية للاسرائيليين بشكل جذري.
هذه الحروب الكلامية تنعكس ايجاباً على الطرفين المعنيين، فالحزب يذكّر الجميع بأنّ المسّ بسلاحه لا يزال ممنوعاً حتى في ظل الحوار والانفتاح وما الى ذلك، وأنّ السلاح اليوم حاجة لا تزال قائمة في ظل التهديد الاسرائيلي، ناهيك عن توسع المنظمات الارهابية في الدول المجاورة وفي لبنان أيضاً.
في المقابل، لا ترغب اسرائيل أن تعاني من أيّ تأثير سلبي لأيّ حوار يجري أو يمكن أن يجري على حسابها، فتعيد التذكير بأنّ خطر "حزب الله" وإيران موجود على مقربة منها، ولكنها في الوقت نفسه لا ترغب في إثارة الذعر لدى مواطنيها، فتعمد إلى الطمأنة بأنها تراقب الوضع على الحدود وتشيد ايضاً بفترة الهدوء الطويلة التي تسود هذه المنطقة الجغرافية. كما تذكّر بأنها أيضاً تملك الاسلحة المناسبة للرد في أيّ حرب قد تحصل مستقبلاً، وتحذّر في الوقت نفسه لبنان وليس "حزب الله"، من "غضب عارم".
من هنا، يمكن فهم تصاعد حدة الخطاب من وقت لآخر بين "حزب الله" واسرائيل، دون أن يعني ذلك أنّ الحرب باتت قريبة، بل ربما العكس تماماً، لناحية أنّ منطق الحوار السائد في المنطقة قد يرخي بظلاله على الوضع في لبنان وعلى الحدود مع اسرائيل، بحيث تبقى الجبهة غير مشتعلة، مع تطمينات تعطى لكلا الطرفين بأنّ أيّ حلّ سياسي لن يكون على حساب أيّ منهما.






















































