في ثمانينات القرن الماضي، وصفَ وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز بيروت بأنها طاعون، قامت القيامة في لبنان ولم تقعد احتجاجاً على هذا الوصف الذي اعتُبِر مهيناً بحق لبنان واللبنانيين.

بعد ثلاثين عاماً على هذا التوصيف المُقزّز، يكاد أكثر من سياسي وأكثر من مسؤول وأكثر من وزير يتفوّق على جورج شولتز في توصيفه، حتى ليكاد اللبناني، سواء منه المقيم أو المغترب، يشعر بأن وطنه أصبح شيئاً يبعث على القرف وان وضعه أصبح مقززاً.

***

منذ شهرين تقريبا، بدأ وزير الصحة وائل أبو فاعور حملة سلامة الغذاء. استبشر اللبنانيون خيراً وقالوا في أنفسهم: وأخيراً سيكون بمقدورنا أن نأكل لقمة نظيفة مغمّسة بعرق تعبنا وليس بفساد القيمين على الغذاء في لبنان، استيراداً وتصنيعاً وتوزيعاً، لكن وبما ان الإعلام هو مرض العصر وكاميرات التلفزيونات هي الدافع والحافز، فإن الحملة انقلبت رأساً على عقب من حملةٍ لحماية صحة المواطن والاقتصاص من المخالفين الى حملة تشهير بالوطن، بالصوت والصورة والانترنت، لم تبقَ دسكرة او زاوية في العالم الاّ وتفرّجت على لبنتنا وجبنتنا ولحمتنا ومعلباتنا وخبزنا وأسماكنا ومياهنا وحلوياتنا وكعكتنا! غريب، ألم يعد هناك شيء صالح في هذا البلد؟ إذا كان الجواب بالايجاب فلنقفِل هذا البلد ولنفتّش عن بلدٍ آخر يستقبلنا، لكن الأمر غير ذلك على الإطلاق، صحيح ان البلد ليس بألف خير لكن ما زال فيه خير حتى الآن: هناك نظافة، هناك عائلات، هناك ضمائر، هناك مطابخ القيّمون عليها يخافون الله، فلماذا كل هذا الرعب والترهيب الغذائي؟ أيها السادة من وزراء وادارات ومصالح حماية المستهلك، ألا تعرفون كيف تعملون بصمت ومن دون صخبٍ إعلامي؟ لماذا هذه الجلبة حيث لا تتحركون إلاّ ويتقدمكم جيش من الكاميرات والمصورين، قمتم بكل هذه العراضات الإعلامية، ومع كل دهم مستودع كان لكم مؤتمر صحافي، ومع كل لائحة بمطاعم غير مطابقة كانت لكم اطلالات على كل الشاشات، لكن لم نرَ متهماً واحداً خلف القضبان، فهل هذه هي إجراءاتكم؟

لماذا لا تعاقبون بشدة ولكن من دون ضجيج؟ في كل دول العالم هناك موادغذائية فاسدة لكن ليس في تلك الدول هذا الكم من الاستعراض الإعلامي كلما ضُبطت قطعة لحمة أو سمكة أو علبة لبنة أو قطعة جبنة.

أريحوا الناس، قوموا بعملكم بصمت، أوقفوا هذا الفولكلور الإعلامي، فالفساد يُعالَج بصمت وليس بالتهريج.

***

مشكورٌ وزير الصحة وائل أبو فاعور على ما قام ويقوم به، ومشكورٌ وزير الإقتصاد آلان حكيم على ما قام ويقوم به، لكن مكافحة الفساد مسارٌ طويل وصامت وليس مجرّد مناسبات إعلامية.