تدور منذ فترة حرب ضروس بين ​وزارة الصحة​ ونقابة الاطباء، بدأت حسب معلومات "النشرة" عبر تحقيق طالب به وزير الصحة وائل ابو فاعور بشأن جرّاح يعمل في احدى مستشفيات حاصبيا، وهذه الحرب تجلّت امام الرأي العام بشكل اوضح مع قرار ابو فاعور وقف العمل بآلية فصل أتعاب الأطباء عن مستحقّات المستشفيات، ومن ثم قضية الوصفة الطبية الموحدة التي تدور حولها علامات استفهام كبيرة جدا. فماذا يجري داخل القطاع الصحي في لبنان؟ وما هي الوصفة الطبية الموحدة؟

لا يبدو واضحا حسب رئيسة لجنة التحقيقات في نقابة الاطباء الدكتورة ​كلود سمعان​، سبب الحملة "المؤسفة" التي تتعرض لها النقابة، ولكنها بكل تأكيد حملة هدفها تشويه صورة الطبيب وستضر المواطن اللبناني ايضا. وتقول سمعان في حديث لـ"النشرة": "الاطباء هم بشر ومعرضون للخطأ ولكننا النقابة الوحيدة التي تضم بداخلها لجنة للتحقيقات(1) ولديها سلّم من العقوبات التي تفرضها عند حصول الخطأ".

وتشير الى ان اللجنة لا تعمل اعلاميا عملا بقدسيّة سريّة المريض وهذا ما يجعل الناس غافلة عنها وعن عملها. وترى سمعان ان ظلماً كبيرا يلحق بالاطباء في لبنان وهذا سيؤدي الى تشويه صورتهم في الداخل اللبناني وفي الخارج، رغم ان كثيرًا من الاخبار التي تنشر عبر وسائل الاعلام دون تدقيق هي اخبار ملفّقة وكاذبة، فيتناسى الناس مئات الاطباء الذين يعملون بضمير ومهنية.

أما بالنسبة للوصفة الطبية الموحدة فهي تهدف بالدرجة الاولى الى تخفيف اعباء شراء الدواء على المواطن اللبناني المثقل بالهموم، فهي حسب نقيب المستشفيات في لبنان سليمان هارون تساهم بخفض سعر الدواء، وتسمح بمراقبة عمل الطبيب والصيدلي، فلا الطبيب يستطيع ان يصف الدواء الا عبر هذه الورقة مع تسجيله كافة الامور المطلوبة عليها، ولا الصيدلي يمكنه بيع الدواء الا عبر وجود وصفة طبية.

ولكن للدكتورة سمعان رأي مختلف، فهي ترى ان الوصفة الطبية الموحدة لن توفر شيئا على المواطن اللبناني بل على العكس ستزيد من همومه. وتشرح: "جزء من ثمن الوصفة سيذهب لصندوق نقابة الاطباء وهذا امر جيد، انما على المواطن فهي تعني انه ليس بامكانه ان يشتري اي دواء من الصيدلية دون وصفة طبية، فمن يتحمل تكاليف المعاينات في كل مرة؟"

أما لناحية ضمان جودة ادوية الجينيريك، فتكشف سمعان انه في الشهر المنصرم تم ايقاف 700 صنف من ادوية الجينيريك في اوروبا بسبب وجود احتمال عدم صلاحيتها، فكيف سيكون الحال في لبنان الذي يفتقد الى المراقبة السليمة وينخر الفساد كل زواياه؟". ويشير هارون من جهته الى ان دواء الجينيريك يُصنع في عدة بلدان متطورة من العالم، انما أول باب للمراقبة هو باب وزارة الصحة وذلك عند السماح باستيراد الدواء، لافتا النظر الى ان الباب الثاني يكون عندما يمر دواء معين دون المستوى المطلوب وعندها يكون الدور على المستشفيات والاطباء الذين عبر خبرتهم عليهم مراقبة الادوية ليقرروا اي دواء جينيريك مقبول لاستعماله"، معتبرا ان ما يقال عن الادوية البديلة ليس حجة مقنعة او مناسبة لوقف هذا المشروع الذي اصبح ضرورة قصوى في عصرنا الحالي.

ومن علامات الاستفهام حول الوصفة الطبية الموحدة، مصير الاطباء الذين لا يتقاضون بدل اتعاب من المريض، مع الاشارة الى ان هؤلاء ليسوا بالعدد البسيط، وهنا تشير سمعان الى ان هذه المعضلة غير معروف حلّها بعد، ولا يمكن ان يكون الحل بطلب توقيع المريض على الوصفة تحت عبارة "لا يوجد بدل اتعاب" لان ذلك يعني اذلالاً للمريض. أما هارون فكشف ان النقابة تواصلت مع مدير عام وزارة المالية واخذت منه وعدا بأنه سيتم الاخذ بعين الاعتبار هذا الموضوع طالما ان وصفات الطبيب منطقيّة، اي انهم سيقدرون ان 20 بالمئة مثلا من الوصفات قد تمت دون اتعاب. ولكن هل هذا هو الحل؟

وفي سياق لا يختلف كثيرا عن الخلاف حول الوصفة الطبية، قرر وزير الصحة وائل ابو فاعور إلغاء تقاعد وزارته مع مستشفى "اوتيل ديو"، فأصاب بذلك عددا من المرضى الذين يغسلون الكلى بضرر شديد يفوق بأضعاف ما قد تعانيه المستشفى من هكذا قرار ربما قد يكون من مصلحتها. وهنا يقول سليمان: "تواصلنا مع وزير الصحة وطلبنا ان لا يتم اتخاذ اي قرار بحق اي مستشفى قبل الاستماع لوجهتي النظر، اي وجهة نظر المريض وادارة المستشفى، واجراء التحقيقات اللازمة"، مشيرا الى انه اذا تم التوصل لقناعة بأن المستشفى قد اخطأ فنحن طبعاً لن نرضى بذلك.

ويضيف: "في موضوع مستشفى اوتيل ديو وهو مستشفى جامعي يستقبل مرضى السرطان وغسيل الكلى، فإن المشكلة كان يمكن ان تعالج برويّة ولكنها تضخمت بسبب تشنّج من قبل المستشفى والوزير"، كاشفا ان الحل الذي طرحه وهو ان يتم اجراء الجراحة للمريضة وان يقوم وزير الصحة بالعدول عن قراره بوقف التعاقد مع "اوتيل ديو"، لم يلقَ التجاوب المناسب من الطرفين رغم انه الحل الوحيد.

اذا، فإنّ نقابة الاطباء لا تقف ابدا ضد الوصفة الطبية الموحّدة بل على العكس تعتبرها مكسبا لها، انما المشكلة هي لدى الضمان الاجتماعي الذي لم يصدر اصلا لائحة بأسماء ادوية الجينيريك التي يغطّيها، وبالتالي لماذا كل هذه الحملة على الاطباء، تسأل الدكتورة سمعان. ومن هنا يبدو ان هذه "الحرب" مستمرة ولن تتوقف قريبا، والوصفة الطبية الموحدة لن تكون المعركة الاخيرة وخصوصا بظل اشتمام روائح سمسرات ومصالح تجارية لسياسيين في الاجواء.

(1) لجنة التحقيقات في نقابة الاطباء مكونة من اثني عشر عضوا مهمتها التحقيق في الشكاوى ضد الاطباء التي تصل اليها. وهي تدرس سنويا ما يقارب الـ 80 ملفاً وتحيل نتيجتهم الى مجلس النقابة لاتخاذ القرار اللازم.

تصوير تلفزيوني يورغو رحال