يفتح حراك بعض القوى المسيحية الأخير الباب على ما آلت اليه أوضاع المسيحيين على الساحة السياسية اللبنانية، كما يكشف المسؤوليات في ضوء الخيارات والمواقف التي أوصلت الواقع على ما هو عليه، وعلى ما سيكون.
وما الـshow (الاستعراض) الذي قدّمه سمير جعجع في دارة العماد عون في الرابية، وحمل الأخير على زفّ المسيحيين بهدية تمثّلت بصورته الجامعة مع "عبوطة" من "الحكيم"، مع إعلان ورقة نوايا لم ترتقِ إلى مرحلة تتجاوز مستوى الصفر، بحسب قول جعجع، سوى سهم يصيب عقل المسيحيين الذين حرّروا فكرهم وقرارهم من السجن الذي أحاطهم به بعض زعمائهم.
لا أحد يرغب بالعودة إلى الوراء أو التحدث عن الأخطاء التي دفع ثمنها المسيحيون بفضل خيارات قادتهم، وليس هناك من عاقل يريد للجمهور المسيحي أن يبقي على أحقاد الماضي وترسّباته، لكن ما لا يحق لهذا الجمهور هو ألا يقيس النتائج على ضوء القرارات، وألاّ يقيّم ما آل إليه مصيره بفعل أداء ممثليه في الدولة وسائر مؤسساتها، والأهم ألاّ يتوقف عند حراك اليوم ومردوده على حاضره سلباً أو إيجاباً.
وإذا كان التجيبيش المسيحي اليوم يأخذ طابع تحصيل الحقوق، فلنستعرض سوياً بعض "الحقوق" التي "حصل" عليها المسيحيون بفعل "خيارات" المجيّشين، ولكي لا نجزم بقراءة النتائج سلباً أو إيجاباً، فلنترك للأسئلة أن تجيب عن نفسها، وللمواطن أن يستنتج ويقيس الربح فيها أو الخسارة.
ماذا أكسب المسيحيين إسقاط الاتفاق الثلاثي عام 1986؟ وماذا أكسبت المسيحيين مقاطعة جلسة انتخاب رئيس للجمهورية في العام 1988؟ وماذا جنت على المسيحيين حربا العامين 1989 و1990؟ وماذا أفادت المسيحيين مقاطعة الانتخابات النيابية في العام 1992؟
ماذا حققت ثورة "السيادة والحرية والاستقلال" للمسيحيين على وجه التحديد، خصوصاً في حكومات ما بعد "الوصاية"، عبر وزراء بعض قادة المسيحيين "الأحرار" فيها؟
أي تعينات مسيحية أجريتم أيها القادة؟ وكيف اقتحمتم الإدارات ومجالات التوظيف؟ أين فرشتم الإنماء، أقله في مناطقكم الانتخابية؟
كيف حدّيتم من هجرة المسيحيين؟ وما هي إنجازات الوزارات التي تسلمتم؟ وكيف تحمون المواقع المسيحية الأولى في الدولة وأجهزتها؟
اليوم على ما يبدو ليس أفضل من البارحة، لا بل يبدو المسيحيون على غير ما يرام، وبدل من أن نتوجه إلى أدمغتهم وطاقاتهم، نتطلع إلى أقدامهم؛ في تكرار لتجربة لم نتعلم من أخطائها على ما يستدل شيئاً. فبالخلافات المسيحية تظهر صور التعطيل؛ من الرئاسة إلى مجلس النواب، واليوم إلى مجلس الوزراء.. فهل تعلمون ماذا سيجني على المسيحيين قانون استعادة الجنسية، الذي تضعونه شرطاً لتسيير أمور التشريع؟ هل أجريتم دراسة أظهرت الأحجام التي ستحصلون عليها في هذا القانون، والنسب المرتقبة منه؟ والله لو فعلتم لتحسّرتم على ما سبق.
ألم يعيدكم "القانون الأرثوذكسي" إلى زاوية التقوقع، يا من تباهيتم بطروحات وطن على وسع المدى؟ ماذا سيفعل المسيحيون بـ"الحق" الذي استرجعتموه بعد تسوية الدوحة؛ أي قانون الستين؟
ومعركة اليوم، ألم يفدكم أي طفل في السياسة أنها بلا أفق، عدا عن كونها معركة خاسرة، لأنها بنظر الناس الأقربين قبل الأبعدين ليست معركة مجتمع ووجود؟
أما "إعلان النوايا" الداخلي، فهل احتسبتم ماذا تعني نقطة الصفر؟ وهل حددتم ساعة الانطلاق؟
الغيارى ينصحون قادة المسيحيين بالاستماع إلى من يصدقهم القول، لا إلى مهرّجين ومنتفعين.
إنه امتحان الوجود للمسيحيين قبل سواهم، فكونوا على حجم التحدي، فأزمة المسيحيين بالخيارات لا باللقاءات، وحقوقهم تُستعاد بأدمغتهم وسعة بصيرتهم لا بالصراخ وتحريك الأقدام، فلا تكونوا سبباً في سقوط ما تبقّى من شبه الدولة، لأنكم ستكونون أول الخاسرين.