مع إقتراب الأحداث السورية من عامها الخامس، بات من الضروري التوقف ملياً عند قوى المعارضة التي أفرزتها، لا سيما مع إنتشار الجماعات الإرهابية المتطرفة، من تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" وأخواتهما، على نحو غير مسبوق، بات يهدد العالم بأجمعه، لا سوريا والعراق ومنطقة والشرق الأوسط فقط.
على الرغم من محاولة إنكارها أو تمييعها، هناك حقيقة ثابتة مفادها بأن أحد أبرز أسباب غياب الحل السياسي في سوريا، هو غياب قوى فاعلة قادرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع ممثلي الحكومة، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان المقولة الشهيرة بأن المعارضة الحالية هي أكبر خدمة قدمت إلى الرئيس السوري بشار الأسد، فهي منقسمة بين فريق تجاوز بأفعاله كل أشكال الجرائم الإرهابية، وآخر أقل ما يمكن أن يقال فيه أنه يعيش، منذ اليوم الأول، في كوكب آخر بعيد عن الكرة الأرضية.
في هذا السياق، كان لافتاً أن يخرج، في الأيام الأخيرة، أحد القضاة السوريين "المنشقّين"، خالد شهاب الدين بيعلن عن إصدار مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتهم القتل الجماعي وارتكاب المجازر وممارسة الإرهاب بحق السوريين، متحدثاً عن العديد من المواد القانونية، في مشهد تصفه مصادر متابعة بالـ"مضحك"، وتعتبر أنه لا يمكن أن يعتقد المتابع بأن هناك شخصاً عاقلاً قادراً على الإقدام على هكذا تصرف، وتسأل: "ما الذي كان يريده هذا القاضي من هذا التصرف؟"
وفي حين تعتبر هذه المصادر، عبر "النشرة"، أن هذه التصرفات تمثل الإساءة الكبرى لقوى المعارضة، تشير إلى أن شهاب الدين، عضو المكتب التنفيذي في "التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية"، سبق له أن أصدر مذكرة توقيف غيابيّة بحق الرئيس بشار الأسد في شهر تشرين الأول من عام 2012، وتؤكد بأن تداعيات هذه الأفعال تبرر عدم أخذ قوى المعارضة على محمل الجد، لا بل يمكن القول أنها تشكل خطراً على الجنس البشري.
وعلى الرغم من الضجة التي أحدثتها مذكرة التوقيف هذه، لم تكتف قوى المعارضة السورية بها، بل ذهبت بعيداً، من خلال إصدار شريط مصور لفصيل من "الجيش الحر"، يتبنى عملية إغتيال القيادي في "المقاومة الشعبية في الجولان" سمير القنطار، في جريمة وطنية متعددة الجوانب، تبدأ من خلال إعلان الفخر باستهداف القنطار، الذي كان دائماً هدفاً إسرائيلياً، ولا تنتهي عبر إدعاء أمر لا يمكن أن يكون صحيحاً، لا سيما لناحية إمتلاك أداة الإغتيال نفسها على الأقل، في وقت كان فيه أنصارها، مباشرة بعد عملية الإغتيال، يعبّرون عن مشاعر لم يشاركهم فيها إلا الإسرائيليون أنفسهم، ما يفترض أن تُرسم حوله مجموعة من علامات الإستفهام.
من وجهة نظر المصادر نفسها، هناك مسؤوليات وطنية على أي فريق سياسي يريد أن يقدم نفسه إلى الجمهور، وهو لا يستطيع أن يتحجج بنظرية "التحالف مع الشيطان"، وتعتبر أن مشكلة قوى المعارضة الأساسية هي في عدم قدرتها على إنتاج خطاب عقلاني يجعلها مقبولة من أطياف الشعب السوري، فهي قدمت منذ الأيام الأولى خطاباً طائفياً ومذهبياً أثار مخاوف فئات شعبية واسعة، كان أحد الأسباب التي أدت إلى نمو الجماعات المتطرفة، التي إستفادت كثيراً من رفع مستوى منسوب الخطاب التحريضي، ومن ثم لم تنجح بالتوجه إلى الرأي العام المحلي والدولي بخطة سياسية تبدد المخاوف، بل على العكس من ذلك قدمت نفسها في إطار كوميدي حيناً ومخيف أحياناً أخرى، نتيجة إقترابه من مصطلحات التنظيمات المتطرفة.
إنطلاقاً من هذا الواقع، ينتظر العالم مع بداية العام الجديد إنطلاق المفاوضات السورية، بين الحكومة وقوى المعارضة، برعاية الأمم المتحدة، تحدد بعض القوى الإقليمية والدولية الركائز الأساسية لها، لكن هل تستمر قوى المعارضة في الخطاب السياسي نفسه؟ وهل من الممكن لها أن تكسب ثقة أحد من خلال الإبتعاد عن الواقع بهذا الشكل، لا بل إرتكاب جرائم في مواقفها؟
من الواضح أن المسار السياسي السوري الجديد، لا يزال يحتاج الكثير من الوقت كي تتضح معالمه، التي تبقى مرهونة باحتمالات النجاح والعرقلة، لكن ما هو مؤكد أن قوى المعارضة لم تنجح، بعد فشلها في تكوين إطار موحد، في تقديم خطاب عقلاني مقبول من جميع الفئات، بل ذهبت إلى مكان يمكن وصفه بـ"الجنون".