تعلم قيادة الجيش تمامًا أنّ قرارها ببناء سورٍ حول مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، والذي لا شكّ حَظِيَ بغطاءٍ رسميّ سياسيّ، لم يكن ليمر مرور الكرام وخاصة لدى المجتمع الفلسطيني في لبنان. فحتى النقاش داخل المؤسسة العسكرية استمرّ طويلاً، وكان هناك من يؤيّد طرحًا مماثلاً ومن يعارضه. إلا أنّ تسارع الأحداث وبالتحديد تقاطع كل اعترافات الموقوفين بقضايا ارهاب حول ارتباطهم بمجموعات أو بأشخاص متواجدين داخل مخيم "عين الحلوة" جعل القيادتين السياسية والعسكرية تحسمان أمرهما سريعًا وتتخذان قرار بناء السور.


فبحسب مصادر واسعة الاطلاع، تفاقم الوضع الأمني داخل المخيّم في الشهرين الماضيين رغم كلّ الهدوء الذي اعتقد كثيرون أنّه يسيطر عليه. فالخلايا الارهابيّة التي تعمل داخله عادت لتتحرك ولكن بكثير من التريث وبصمت مطلق، وبالتحديد بعد العمليّة النوعية التي نفذتها مخابرات الجيش وأدّت لالقاء القبض على أمير تنظيم "داعش" في المخيم ​عماد ياسين​. وبعكس ما اعتقد البعض، لم تشتّت العمليّة صفوف التنظيم في "عين الحلوة" بل ساهمت بتلاحم عناصره للثأر لأميرهم الذي بيّنت اعترافاته بالاضافة لاعترافات 90% من الموقوفين الآخرين الّذين تمّ القاء القبض عليهم مؤخرا ، أنّهم مرتبطون بأشخاص داخل المخيم الذي تحوّل ومن دون منازع لـ"أخطر مركز وأكبر تجمع للارهابيين في البلد".


وبالرغم من اقدام العشرات من المطلوبين داخل "عين الحلوة" على تسليم أنفسهم للأجهزة الأمنية اللبنانية في الأشهر القليلة الماضية، نتيجة جهود كبيرة بذلتها ​الفصائل الفلسطينية​ في هذا الاتجاه، الا ان معظم هؤلاء ظلوا من دائرة المطلوبين بقضايا جنائيّة، ولم تتوسع الدائرة لتشمل الرؤوس الكبيرة المطلوبة بملفات ارهاب. ونتيجة لذلك، قرّر ​الجيش اللبناني​، وبحسب المصادر نفسها، ضبط كل المداخل والمخارج دون استثناء لعلمه بوجود ثغرات كبيرة تساهم بتنقل المطلوبين من والى المخيم عبر أنفاق وبساتين، فكان السور الذي يؤكد المعنيون ان الهدف منه ليس عزل المخيم عن محيطه او اعطائه صبغة معينة، انما تحصين الأمن اللبناني من دون المس بالمدنيين أو التضييق عليهم.


وتستغرب المصادر تصوير السور على أنّه جدار سيلف كل المخيم، وتشدد على أنّ ما يجري تنفيذه حالياً هو، وكما ورد في البيان الأخير لقيادة الجيش "سور حماية في بعض القطاعات التي لا تشرف على التجمعات السكنية والمنازل في داخله". وتضيف: "بما ان الظروف الاقليمية كما الداخلية لا تسمح بأي عملية عسكرية كبيرة لمواجهة كمّ الارهابيين المتواجدين داخل المخيم، ولرفضنا بالمطلق القيام بأي عملية عزل على الطريقة الاسرائيليّة، ارتأينا ضبط المداخل والمخارج، بما لا يتعارض مع ما يطالب به قادة الفصائل الفلسطينية الذي سيسعون بدورهم لوضع خطط جديدة للتعامل مع الوضع داخل عين الحلوة والذي يهدّد بحالته الراهنة هذه الفصائل كما أكثر من 100 ألف لاجىء يعيشون داخله".


وبانتظار بلورة خطة فلسطينية جديدة، للحدّ من الأخطار الداهمة المُطِلّة برأسها من "عين الحلوة"، سيكون على الجيش اللبناني التعاطي بحزم مع "الثغرات الأمنية" أيًا كانت الطريقة التي سيعتمدها لضمان نجاح مهمته وقطع رأس دابر الارهاب. وطالما الضوء الأخضر السياسي متوفّر، فالعمل مستمر مهما ارتفعت الأصوات وكثر الضجيج!