باستثناء حكومة ​نجيب ميقاتي​، "ذات اللون الواحد"، على حدّ ما وُصِفت، لم تشهد الحكومات المتعاقبة طيلة الفترة الماضية "معارضة موصوفة" بالمعنى الكامل للكلمة، لأسبابٍ واعتباراتٍ كثيرة أبرزها تحوّل الحكومات لـ"نسخةٍ مصغّرة" عن مجلس النواب، في "بدعة" ديمقراطية كان نظام "المحاسبة" أبرز ضحاياها.

ومع ولادة حكومة ​سعد الحريري​ الثانية، مستثنيةً حزب "الكتائب"، بعدما قُدّم له عرض "حقيبة دولة"فقط لا غير، أعلن رئيس الحزب النائب ​سامي الجميل​ انضمامه إلى موقعه "الطبيعي" في المعارضة "البنّاءة"، كما قال، فهل تكون "مصيبة" الكتائب "فائدة" للنظام الديمقراطي اللبناني؟ وهل نشهد معارضة فعلية أخيرًا، وبعد طول انتظار؟

ردّ اعتبار...

عندما أقرّت التسوية الرئاسية التي أفضت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية قبل أكثر من شهر ونصف، سارع مناصرو رئيس المجلس النيابي نبيه بري لإطلاق شعار "معارضة لعيونك"، تزامنًا مع تشمير "الأستاذ" عن زنوده استعدادًا لما أسماه "الجهاد الأكبر"، في إشارة إلى مفاوضات تأليف الحكومة. ولكنّ بري، وكما توقّع كثيرون، عرف بحنكته السياسية، كيف يفرض نفسه لاعباً أساسياً على خط الحكومة، ليس فقط لناحية دخوله فيها كما يرغب، بل لناحية دخول حلفائه إليها وفق شروطه أيضاً، ما حوّل "المعارضة لعيونه" إلى مجرّد "حلم" أو ربما "كابوس" للبعض.

وإذا كان "تيار المردة"، المعارض للتسوية الرئاسية أيضاً، استفاد من هذا الواقع ليدخل إلى الحكومة معزّزاً مكرّماً، وبحقيبةٍ كانت عيون الجميع شاخصة إليها، ألا وهي حقيبة الاشغال، فإنّ حزب "الكتائب" في المقابل لم "ينعم" بحليفٍ كبرّي يضمن له الدخول إلى الحكومة، على الأقّل، كما يطمح ويتمنى. وعلى الرغم من أنّ الحزب حرص على عدم الدخول في "معمعة" المطالب والمطالب المضادة في فترة التأليف، اعتقاداً منه بأنّ حضوره في حكومة الستة أشهر سيكون حضوراً سياسياً ليس إلا، بعنوانين أساسيين هما قانون الانتخاب والموازنة العامة، وبالتالي فلا مشكلة لديه في نوع الحقيبة، إلا أنّه لم يتوقع أن تكون النتيجة ألاّ تُطرَح عليه أيّ حقيبة، بالمعنى الكامل للكلمة، في حين تُغدَق الحقائب بالجملة على أحزاب أخرى وشخصيات لا شكّ أنّ حيثيتها التمثيلية أقلّ من "الكتائب". من هنا، فإنّ الحزب، الذي يبدو متيقناً بأنّ هناك من تعامل معه على طريقة "الإحراج فالإخراج" عن سابق تصوّر وتصميم، سيسعى من خلال معارضته لردّ الاعتبار لنفسه، كحزبٍ قوي وفاعل، له حضوره شاء من شاء، والأهم من ذلك، أبى من أبى.

... وثأر!

ولن يكون حزب "الكتائب" وحيداً في "المعارضة"، فإلى جانبه سيقف معارضو الحريري على الساحة السنية، الذين لا يخفون طموحهم بـ"وراثة" الرجل بعد كمّ "الخطايا" التي ارتكبها، على حدّ ما يقولون، والتي لن تكفي ستّة أشهر في "جنّة الحكم" للتقليل من وقعها. وعلى رأس هؤلاء، يتموضع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، الذي لم ولن ينسى السهام الحريرية "الجارحة" التي وُجّهت له يوم وافق على ترؤس حكومة ما بعد إسقاط الحريري، رغم أنّه، وبشهادة القاصي والداني، خدم مصالح "الحريرية السياسية" في هذه الحكومة بالتحديد أكثر من سعد الحريري نفسه. وهو انطلاقاً من ذلك يعتقد أنّ الوقت قد حان لـ"الأخذ بالثأر"، وما السجالات "الافتراضية" التي انطلقت مبكرًا بين الرجلين، على خلفية التركيبة الحكومية، والمرشحة للتصاعد أكثر وأكثر خلال المرحلة المقبلة، سوى خير دليلٍ على ذلك.

"الثأر" أيضاً هو العنوان الذي ينطلق منه الوزير السابق ​أشرف ريفي​ في مقاربة الحكومة الجديدة، هو الذي اختار لنفسه خطاً مزايداً وشعبوياً، منفصلاً عن خط الحريري، منذ أن كان معه "على موجة واحدة". ولعلّ "شخصية الخلف" في وزارة العدل، أي الوزير ​سليم جريصاتي​، أتت لتعزّز موقف ريفي المعارض، وهو ما برز بشكلٍ واضح من خلال "الضجة" التي أثيرت في اليومين الماضيين، إذ إنّ ريفي يعتبر أنّ تسليم "العدل" لوزيرٍ مواقفه معروفة من المحكمة الدولية هو "خطيئة" قد تفوق في حجمها كلّ "الخطايا" التي ارتُكِبت في الآونة الأخيرة، وهو ما سيتأكد أكثر فأكثر خلال المرحلة المقبلة.

حسابات انتخابية؟

عمومًا، قد يقول قائل أنّ هذه الحكومة هي حكومة انتخابات، وبالتالي فإنّ معارضتها قد لا تقدّم وتؤخّر كثيراً في المشهد، إلا أنّ الواضح أنّ معارضتها، وإن بدت "خجولة"، تبدو في الغالب "معارضة انتخابات" أيضاً، وبالمعنى الحرفي للكلمة.

فإذا كانت الحسابات الانتخابية حضرت بقوّة من خلال بعض أسماء الوزراء والحقائب المُسنَدة إليهم، ولا سيما الخدماتية منها، سواء في "تيار المستقبل"، أو في الأحزاب المسيحيّة، فإنّ هذه الحسابات نفسها تشكّل الهاجس الأكبر لمعارضي الحكومة، الذين بدأوا يُعِدّون للمواجهة في الانتخابات المقبلة، ويعتبرون انطلاقاً من ذلك أنّ الوقوف بالمرصاد للحكومة وأداء وزرائها سيصبّ في صالحهم في نهاية المطاف، لأنّ الحكم، وإن كان "جنّة" من شأنها تعزيز الموقع الانتخابي لأيّ فريق، إلا أنّها قد تتحوّل في أيّ لحظة إلى "نار" تحرق صاحبها، وهذا هو بالتحديد ما يراهن عليه المعارضون.

وفي هذا السياق، يمكن القول أنّ الحسابات الانتخابية هي التي أملت على حزب "الكتائب" مثلاً رفض العرض الوزاري "الزهيد" الذي قُدّم له، لأنّه كان سيبدو في موقع ضعف لا قوة، وكأنه يستجدي المشاركة في الحكم بأيّ ثمن، في حين أنّ ذهابه إلى موقع المعارضة رفضاً لتهميشه من شأنه أن يقوّي موقفه، خصوصًا مع ظهوره بمظهر "المظلوم" الذي لم تعد محاولات "عزله" من قبل الكثير من الأفرقاء بخافية على أحد. أما ميقاتي وريفي، اللذان تُرصَد للمناسبة محاولات تقارب بينهما قد تتوَّج على طريقة تحالف انتخابي في وجه الحريري، الذي يعتبرون أنّ أيام "احتكاره" للساحة قد "ولّت إلى غير رجعة"، فإنّ الحسابات الانتخابية ستكون حاضرة دون شكّ في معارضتهما "الطبيعية" للحكومة، التي لا يريان أنّها بتركيبتها الحالية تلبّي تطلّعات اللبنانيين الحقيقية.

مهام غير هامشية...

صحيحٌ أنّها حكومة انتخابات لن يتعدّى عمرها الأشهر الستّة إذا صدقت النوايا بإجراء الانتخابات النيابية في وقتها، ولكنّ المهام الملقاة على عاتقها ليست هامشية أبداً، وأولها إقرار قانون انتخابات عصري وحضاري.

من هنا، فإنّ المعارضة ستكون مطالَبة، بعيدًا عن شعارات الثأر وردّ الاعتبار وما شابه، على وضع يدها بيد المجتمع المدني، لتفرض على الحكومة إقرار قانون الانتخاب الذي يستحقه اللبنانيون، بعيداً عن مهزلة قانون 1960، وتحويله لأمرٍ واقع!