كان يركب حصاناً ويحمل بندقية ويحتلّ قطعة أرض ويسكن فيها وإليها وينسل. هكذا بدأ في لبنان وفي أميركا والعالم. قامت حروب وقتل الملايين بسبب شبرٍ من الأرض. العولمة ومدّ الأرض مثل سجّادة أو بساط لم يغيّر شيء. تموت العولمة صبيّة في العشرين.

لا تعني الخطابات والمواقف المتشنّجة والعنصرية والمذهبيّة في أنحاء العالم، سوى صرخة الحضارة بإستحالة العيش عندما تهويالهويّة وتمّحي الحدود الشخصية والإجتماعية والوطنية. ما أن تلفّظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ب: أميركا أوّلاً، كنّا نقرأ ترسيخاً جديداً لمبدأ سيادة الدول ومركزيتها، ليس في الولايات المتحدة الأميركية التي تبحث عن أميركاوتعمل على إعادة لملمة حدودها، بل في دول العالم كلّه التيتعيد تركيب هوياتها بعدماأضاعتها وأضنتها العولمة وتضخّمت سلبياتها وكادت تجرف معها إيجابياتها الكثيرة عندما عصفت بها الفوضى الخلاّقة والمشاعية المرعبة للثقافات والحضارات واللغات. كادت البشرية تضيع من دون هوية. ومع الخطاب الأوّل للرئيس دونالد ترامب أمام الكونغرس الذي أعاد التأكيد على حدود الدول، كنت أسمع في خطابه إنهيارات العولمة وفشلها في محو الخصوصيات الثقافية والفكرية التي كتبنا عنها في هذه الصفحة عينها، في 20/7/2008 بعنوان "تجليس الديمقراطيات المتفجّرة"، من دون إثبات واضح لهذه المقولة المحشورة آنذاك بالقطبية الأميركية. كان يُنظر إلى أميركا بوصفها المجتمع العالمي الأول في التاريخ، ومنبع الإيديولوجية العالمية الواحدة المحتملة حيث حرية الفرد كانتتعني نظرياً سيادة الشعب. تلك دعوات أميركية هائلة كانت تروّج في آذان العالم بانتفاء المركزية وحلول شمسيّة المعلوماتية مكان القوة التقليدية أو الإرثية للدول، وتؤكد على سقوط استراتيجيات القوة لتقوم مكانها ديناميات الجماعة العالمية في خلق الأفكار، وإدارة الاعلام، وحسن هندسة التعاون في بناء المجتمع العالمي الواحد.

وما البرهان القاطع على التنطّح والإدّعاء بإنتفاء سيادة الدول سوى التذكير بنصّ لوزير مالية الولايات المتحدة الأميركية روبرت روبن Robert Robbenجاء جواباً على رئيس جمهورية ماليزيا مهاتير محمد، خلال الاجتماع السنوي لمجلس المصرف الدولي وممثلي صندوق النقد الدولي الذي عُقد في هونغ كونغ في أيلول/سبتمبر 1997. هاجم مهاتير محمد يومها العولمة والانحدار الأخلاقي في تعامل الدول، وخصوصاً قوى العولمة الكبرى التي كانت وراء الأزمات الكبرى التي عانت منها بلدان جنوبي شرقي آسيا بسبب دفعها إلى فتح أسواقها للمتاجرين بالعملات مما دمّر اقتصادياتها وحدّ من إمكانيّاتها التنافسية في العالم.

يقول النص الذي جاء بعنوان: "إعذرني يا محمّد":

"على أيّ كوكب أنت تعيش. إنك تتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن خياراً متاحاً لك. فالعولمة ليست خياراً، وإنما هي حقيقة واقعة. يوجد اليوم سوق عولمة واحدة والطريقة الوحيدة الممكن أن تنمو فيها هي اللجوء إلى أسواق السندات والأسهم للحصول على الاستثمارات وبيع ما تنتجه مصانعك في أسواق العولمة التجارية. كما أن أهم حقيقة حول العولمة هي أن لا أحد يسيطر فيها أيها .... أسواق العولمة تشبه الانترنت... لا يوجد أحد في مركز السيطرة، لا أميركا ولا القوى الكبرى ولا أنا.

ويعتبر سوق العولمة اليوم عبارة عن قطيع الكتروني من متاجرين مجهولين بالعملات والأسهم والسندات وكل ما خطر لهم يجلسون وراء أجهزة الكومبيوتر... وهم لا يعترفون بالظروف الخاصة أو الخصوصيات لأية دولة... وإنما بقواعدهم فقط، وهي منسقة إلى حد بعيد. إنّهم يحددون نسبة الادّخار، التي يفترض أن تحققها دولتك، ومستوى الفوائد ونسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الاجمالي، ومستوى عجز ميزان المدفوعات التجاري.

يرعى هذا القطيع في 180 دولة في العالم، لذا لا وقت لديه كافياً لأن ينظر إلى مواقفك وأحكامك ومخاوفك بالتفصيل. إنه يتوصّل إلى أحكامه بصورة خاطفة جداً عما كنت تعيش استناداً إلى قواعده ولغته ونظمه ليس إلاّ".

هل يمكن أن نعيد الإعتذار لفلاسفة العولمة ودولها التي بلغت اليوم 194 دولة، ودعاتها والمروّجين لها والخائفين من إنتقادها وتنقيتها فنقول معاً من الشرق الأوسط: أعذرني يا بيل. ها هي بضاعتكم ردّت إليكم. ها هي سلطات الدولة وسيادتها تعود الى عرينها بعدما كادت تضيع خلال قرنين، وأن السيادة قد تبدأ من العائلة الصغيرة وترتفع في السلالم لتبلغ أعتى الإمبراطوريات التي يورثها إنفلاشها الكثير من المتاعب والهزّات الإجتماعية والإقتصادية.

ليس من الضرورة أن تخضع دول العالم على اتباع نسق المعايير السياسية والاقتصادية التابعة بدورها لمركز ما لأنّ الثابت أن ديمقراطية انتشار المعلومات وفرض الثقافات ما زالت أسيرة المرحلة الخيالية في توحيد العالم وصفّ دوله كما القطعان.

لماذا؟

لأن منطق الحروب العسكرية والجشع الدولي كان قاسياً جداً وهو لم يتراجع، حتى ولو كانت هذه الحروب في أقصى تجلياتها تفرز معارك وهمية لا تقود الشعوب نحو التقدّم بل نحو ردود الأفعال الأكثر شراسة. صحيح أن هويّة الحروب تغيّرت وغالت في شراستها وتخريبها، لكن خطر فقدان الدول الصغيرة لسيادتها كان يعني التمسّك بأهداب الماضي بكلّ مستوياته ومعانيه مع تشوّهات النظرة إليه حتّى ولو أنّ قراصنة المعلومات والأموال في العالم، يفرضون سقوطاً ذريعاً لمفاهيم سلطات الدول الخام في المجتمعات النامية.

وإذا ما أصبحت السلطة مسألة رقمية تقتضي إدارة المعلومات وربطها بمقرّات القيادات العسكرية الموجودة في عواصم الدول الكبرى، فإنّ نتائج الحروب لم تتغير كثيراً إلا في مضاعفة الانهيارات والامعان في الفوض والتخريب.

لماذا؟لأنّ الشاشات التي لا تنتهي مساحاتها في الكرة الأرضية تبدو ملاعب ومدارج عالمية للانهيارات والعنف وكأنّ أصحاب القرار يمارسون الحروب فيها عن بُعد، لا يرون فيها سوى الصور الوهميّة لمواقع الخصوم ، وهم يشابهون في ذلك أطفال العالم الذين يتمرسون على القتل والانهيارفي ألعابهم الالكترونية.

على أساس من هذه الأفكار والوقائع كنّا نقرأ نصوصاً حافلة بالتهويل من حكومات العالم الصناعي العملاقة المنسوجة من لحم وفولاذ، وكأنه المسكن الفكري الجديد للشعوب.

كان لا يمكن أن نقول لكم: أهلاً وسهلاً في ما بيننا، ولا سيادة لكم في مساحاتنالأنّ مقولاتكم حول القوانين والملكية والتعبير واللغة والهوية وحركتكم ومحيطكم لم تنطبق على الجميعلأنها قائمة على المادة والمصلحة وليس من مادة هنا وحسب.هكذا عادت الدولة بحدودها المألوفة الثقافية على الأقل نبعاًللسلطة والهوية والشرعية والسيادة. هذه السيادة الحضارية الوقائية من الإنهيار والتي تأخذ أشكالاً وخطباً عنصرية في أميركا وأوروبا هي حاجات وتواريخ وخصوصيات تستعاد، وهذا لا يمنع الدول كلّها من أن تكون جزءاً منمراكز التجارةالعالميةالضخمة، تخترقهاوتتشارك بالالكترونيات وسلطات الاعلام في "هونغ كونغية" الكرة الأرضية دون أن تفقد هويتها.