لفت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلى أنّ "المؤسسات المالية عامّة والمؤسسات المصرفية خاصّة، تواجه تحديات ناجمة عن إرادة دولية لإنقاذ العولمة المالية الّتي تعرّضت إلى مخاطر كبرى بعد الأزمة العالمية المالية سنة 2008"، مشيراً إلى "أنّنا شهدنا حينها نوعاً من التوجّه والإختلاف في طريقة التعاطي، أكان على صعيد المصارف المركزية العالمية بحيث اختلف التوجّه في إدارة السياسات النقدية من حيث تحريك الفوائد، أو على صعيد القطاع المصرفي، إذ دخلنا في عصر حرب على العملات من أجل تفعيل الإقتصاد".
ونوّه سلامة، خلال افتتاحه اليوم الملتقى الثالث لمكافحة الجريمة الالكترونية في بيروت، إلى أنّ "العناوين الكبرى الّتي عالجتها المؤسسات الدولية المسؤولة عن النظام المالي العالمي، تتمحور حول مواضيع عدّة، من أهمّها مقرّرات "بازل 3" الّتي وضعت أسساً جديدة للمعايير المتعلّقة برسملة المصارف، إضافة إلى أنظمة محاسبيّة دوليّة صارمة، واهتمّت بحماية المستهلك أو المتعامل مع القطاع المصرفي والمالي"، مبيّناً أنّ "أميركا وأوروبا تقومان بإصدار قوانين وتعاميم كثيرة تهدف إلى حماية كلّ من يتعاطى مع المؤسسات المصرفية أو الشركات المالية"، مركّزةً على أنّ "الهيئات الرقابية الموجودة في العالم، فرضت غرامات تخطّت 140 مليار دولار على المؤسسات المصرفية لتصحيح مسارها. أما التوجه الآخر المهمّ، فهو التعاطي مع العمليات أو الأموال المشبوهة. فقد تمّ وضع أسس ومعايير دولية تخوّل القطاع المصرفي والمالي عامةً، مكافحة دخول الأموال غير الشرعية إلى المؤسسات المالية"، لافتاً إلى أنّ "هذه الأموال تهدف إلى تبييض الأموال، أو تمويل الإرهاب أو التهرّب من دفع الضرائب. و كان للبنان موقفاً متقدّماً في هذا المجال، بحيث أقرّ مجلس النواب والحكومة اللبنانية قوانين عدّة سمحت للبنان الإلتزام بالتوجهات الدولية"، مشيراً إلى أنّ "آخرها كان إقرار مسؤولية على المصارف لإبلاغ وزارة المالية بكل ما يتعلق بالتهرب الضريبي".
وأوضح أنّ "مصرف لبنان أصدر تعاميم عدّة تضمن التعاطي الشفاف في القطاع المصرفي والتعاطي الّذي يحمي علاقتنا مع المراسلين في الخارج. هذا أمر أساسي، إذ يعجز أي قطاع مصرفي في لبنان أو في العالم عن الإستمرار، إن لم يكن ملتزماً أو على تواصل مع المصارف المراسلة الدولية"، مؤكّداً أنّ "هذا الموضوع بغاية الأهمية بالنسبة إلى لبنان، لأنّ نسبة الدولرة فيه مرتفعة. إنّ هذا الإلتزام ساعد بتسهيل التمويل في لبنان، بحيث أنّ القطاع المصرفي اللبناني استطاع تمويل القطاعين الخاص والعام بشكل طبيعي جدّاً، رغم تصنيف لبنان بدرجات متواضعة، ورغم التحديات الكبيرة الّتي يواجهها على الصعيد السياسي أو الأمني، ورغم تكبّده لنتائج المشاكل الإقليمية".
وبيّن سلامة أنّ "الموضوع الآخر الّذي شكّل اهتماماً دوليّاً هو تطوير أنظمة الدفع واستعمال أكبر للتقنيات المالية وتطوير هذه التقنيات، بحيث تعزّز النمو الإقتصادي. فكلّما ازداد انتشار التقنيات المتصلة بأنظمة الدفع، كلّما كانت الحركة التجارية أفضل، وهذا التطوّر سبّب ظهور موضوع الجريمة الإلكترونية"، موضحاً أنّ "اليوم، وبسبب هذا التطور التقني الحاصل والضروري والمحتمّ، يقوم مرتكبو الجرائم الإلكترونية بطرق عدّة لإجراء نوع من القرصنة على القطاع المصرفي. قد تشمل تزوير لبعض الرسائل الإلكترونية لتحويل الأموال، وطرق أخرى اكتشفناها مؤخرا تقضي بالدخول على النظام المعلوماتي لمصرف أو مستشفى أو أي مؤسسة والتلاعب بالعمل ثم طلب فدية لتصحيح الوضع".
وأكّد أنّ "مصرف لبنان مدرك لهذا الموضوع، وهو بالتعاون مع الأمن الداخلي والقضاء اللبناني والحكومة اللبنانية، يقوم دوماً بمبادرات للتوعية ولاستعمال التركيبة الموجودة في القطاع المصرفي من أجل مكافحة الجريمة المالية. وكان مصرف لبنان قد طلب من المصارف تشكيل لجان مسؤولة عن إدارة المخاطر، وتشكيل دوائر مسؤولة عن الإمتثال"، لافتاً إلى أنّ "بفضل التنسيق من ضمن المصرف بين هذه الجهتَين والجانب الّذي يهتم بتقنيات المصرف، نقدر تزويد كلّ مصرف بالوقاية المطلوبة بهدف حمايته من الجرائم الإلكترونية".
وأشار سلامة، إلى "أنّنا نعيش اليوم في عصر حيث أنظمة الدفع ستشهد تطوّراً متزايداً، وحيث استعمال الهاتف الجوال يشكّل إحدى وسائلها، واستعمال العملة الرقمية سينتشر أكثر أيضاً تبعاً لما نراه عالميّاً، وتبعاً لما هو معمول به في الدو، بإشراف صندوق النقد الدولي"، موضحاً أنّ "مصرف لبنان يأخذ هذا الموضوع على محمل الجدّ، ويعتبر أنّ وضع تدابير الحماية اللازمة ضدّ الجرائم الإلكترونية هو مقدّمة ليكون لدينا نحن أيضا عملة رقمية، تكون وسيلة دفع إضافية يمكن أن يستعملها المواطن اللبناني أو المتعاطي مع القطاع المصرفي والمالي في لبنان".
وشكف أنّ "مصرف لبنان منع طبعاً إستعمال الـ"Bitcoin" والعملات الإفتراضية الأخرى كوسيلة دفع، لأنّها سلع وليست عملات ترتكز على المعطيات أو القواعد التي نعرفها لخلق الثقة في العملة. صحيح أنّ أسعارها ترتفع ولكن نجهل سبب ذلك، وصحيح أنّ استخدامها ينتشر ولكن نجهل مستخدميها"، مشدّداً على أنّ "ما يهمّنا للمحافظة على الثقة، هو أن تكون العملة الرقمية صادرة عن البنك المركزي، وسنتوصل إلى ذلك تدريجيّاً".




















































