في رد على طلب رئيس جهاز الامن الوطني السوري "علي مملوك" من مسؤول أميركي سبق والتقى به في العاصمة السورية دمشق أواخر العام الماضي لسحب القوات الاميركية الموجودة في سوريا معتبرا وجدوهم "احتلالا"، رد المسؤول الاميركي بالقول ان وجودهم "استشاري" فقط لمقاتلة داعش. اليوم أميركا في موقف جديد عبر عنه وزير خارجيتها "ريكس تليرسون" مؤخرا اعتبر فيه ان الوجود العسكري الاميركي في سوريا مستمر في شرقها وشمالها حتى تحقيق جملة اهداف، ومن بينها انهاء النفوذ الايراني حتى يصبح جيران سوريا بأمان، فماذا تبدّل في المشهد السوري لسحب واشنطن سلاحها الحقيقي جهارة، وتنصيب نفسها حارسا أمينا على أمن سوريا والجيران مطيحة في دربها بالموقف الروسي ودوره في التسوية السورية؟ّ!.

بالعودة الى المعلومات والتحليلات حول الواقع الحالي للميدان السوري فلقد اجمعت بمعظمها على عودة التوتر، واحتمال تجدّد الصراع في عدد من المناطق فيها معتبرين ان الازمة السورية لم تطو فصولها بعد. ربما هي قراءة صحيحة لواقع الحال السوري اليوم، الا ان ما يميز مرحلة الصراع الحالية عن مراحل الصراع في السنوات الست الماضية هو الانتقال بالميدان السوري من حالة التحالف بين مختلف القوى لمحاربة التنظيمات الارهابية لضرورات فرضتها حماية امنها، الى مرحلة التصادم بين هذه القوى في السباق نحو ضرب "وتد" النفوذ اولا على ارضها. وهي تعتبر المرحلة الاخطر التي ستمر بها سوريا، اذا يبدو ان القوى المنتصرة في الحرب السورية، وجدت، انه اصبح لزاما عليها العمل على ازاحة القوى الاخرى المشاركة معها في النصر، انطلاقا من مصالحها الخاصة، مما ستترجم انعكاساته في الوجه السياسي الجديد الذي ستخرج به سوريا في علاقاتها الخارجية وسبل التعاطي معه. وهذا ما يدور حاليا حول فلك ايران-حزب الله، مع تزايد الحراك الاميركي ضده من خلال تفعيل الاجراءات الآيلة الى تقويض نشاط حزب الله واتهامه بالاتجار بالمخدرات وتبييض الاموال، وبالتالي التحضير لاتخاذ خطوات قد تندرج تحت خانة العقوبات بحقه. بالمقابل تنتظر موسكو غامسة بصنارة رأس النظام في المياه السورية، ومنتظرة التهام الفريسة للطعم اي طهران خاصة، بعد مساحة الارتياح والتمدد الذي منحت لها بضرب اللاعب التركي لحليف واشنطن الكردي في عقر داره "عفرين"، معرضا بذلك الوجود الاميركي في سوريا لموجات من الصقيع الروسي والغليان الاسرائيلي. ودلالات ذلك كشفتها معلومات صحفية تحدثت عن عدم قيام الرئيس السوري بشار الاسد بابلاغ القيادة في طهران بنتائج اتصالاته مع موسكو بشأن زيارته لمنتجع سوتشي وزيارة الرئيس الروسي لسوريا، هذا عدا عمّا نشرته تقارير اعلامية عن عدم ابداء "الاسد" اي ترحيب بمطالب طهران لتعميق علاقتها العسكرية والاقتصادية في دمشق.

بالطبع ان مصلحة موسكو تبقى في اطفاء النار السورية، والاخذ بها نحو حل يحفظ مصالح روسيا بالدرجة الاولى، من هنا فان اي حل للازمة السورية من وجهة النظر الروسية قد يسجل انتصارا لحليفتها ايران وحزب الله ويكرس نفوذهما الى اللامنتهى، فان من شأن ذلك ان ينقلب ضدها سيما مع التهديدات الاسرائيلية المتكررة حيال هذا الامر. ففي حال جاء الحل السوري معززا لوجود طهران وحزب الله عند الحدود السورية مع فلسطين المحتلة فسيشكل ذلك فرصة سانحة، وحجة للعدو لخلق الفوضى على الحدود وبالتالي استدراج وتوريط الاطراف في حرب كارثية على كل المستويات. وفي هذا الاطار تبدو اسرائيل تتحضر لذلك حيث حسمت قرارها بتشييد جدار على حدود لبنان بذريعة الحفاظ على امنها، على ما قد يحمل ذلك من ردود وتداعيات. هذا بالاضافة الى القرار الذي اتخذته مؤخرا نحو التحرك اكثر في الجبهة الشمالية، بحيث لن يقتصر على الاراضي السورية فقط بل قد يطال ايضا استهداف مناطق لبنانية يشتبه بوجود اسلحة نوعية لحزب الله فيها. ويشار في هذا الاطار ايضا الى زيارة مرتقبة لرئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو الى روسيا نهاية الشهر الجاري للتباحث حول الوضع في سوريا وخطر ايران وحزب الله والملف الفلسطيني.

لاشك ان الحراك الاسرائيلي ليس بعيدا عن مجهر طهران وحزب الله الذي مازال يفعّل محركات امنه الاستباقي، وهذه المرة ليس على مستوى التكتيك العسكري وانما ايضا على مستوى التكتيك السياسي، حيث جرى الحديث مؤخرا عن وساطة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بين حركة فتح الفلسطينية وطهران والتي احيطت فيها الاجواء بالايجابية، بالتوازي جرى الحديث ايضا عن دعم ايراني كبير لحركة حماس، والايعاز لها بالعمل على تشكيل قوة عسكرية في سوريا تكون قادرة على اطلاق الصواريخ على اسرائيل حسب مزاعم احدى الصحف الاسرائيليّة.