ما إنْ برَزَ دور وليّ العهد السعودي "محمد بن سلمان" حتى أدخل منطقة الشرق الأوسط برمّتها في حالة من التهتّك الجنوني، الذي يتنافي مع الوعي السياسي والعقلانية الدبلوماسية في مضمار العلاقات الإقليمية والدولية. فقد أعاد إحياء "داحس والغبراء" في "الجزيرة العربية"، بدءًا من التآمر على "الجمهورية العربية السورية"، مروراً بحربهِ على "اليمن"، وصولاً إلى تهجّمه العدائي على "قطر"، وبالتالي خلافاتهِ المتزايدة مع "الإمارات العربية". ولم يكتفِ "بن سلمان" بشقّ الصفّ العربي، بل ذهبَ إلى خلقِ فجوة خطيرة في المنظومة الإسلامية عندما ساهم في شيطنة "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، حيث أعاد إنتاج مصطلحات بائدة منذ زمن الحروب بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية: كالشعوبيّة، والمدّ الفارسي، والصفويّة، والتشيّع. وقد تجاوز "بن سلمان" كلّ الثوابت والأسُس القومية والعقائدية في إنشاء تحالف وجودي مع العدوّ الإسرائيلي، وذلك على حساب إستعداء واسترهاب المقاومة في "لبنان" و"فلسطين"، فضلاً عن تكريس السعودية أداة إرتكازية لتنفيذ مشاريع "الولايات المتحدة الأميركية".

يسعى "بن سلمان" إلى تزعّم العالم الإسلامي، ليكون ملكاً على مليار ونصف من المسلمين. وقد لجأ بحلمِهِ الإمبراطوري إلى الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، حيث استوعب حماسة الملك الصغير، وتقاضى منه الثمن 450 مليار دولار. والتقطَا معاً صورةً تذكارية، يضعان فيها يديهما على الكرة الأرضية، إشارةً إلى حكمها والسيطرة عليها عبر امبراطوريتين تمتلكان المال والقوة. وهذا ما يستدعي بالضرورة: تدمير "إيران"، تصفية حركات المقاومة، ضرب الأنظمة العربية العصيّة كـ"سوريا" و"اليمن"، إنهاء الإسلام الإخواني المعتدل المتمثّل بـ"تركيا" و"قطر"، استغلال وضع "مصر" و"باكستان" اقتصادياً واجتماعياً عبر الأموال، التحالف مع "الكيان الإسرائيلي"، الانخراط في مشروع تفكيك "روسيا" من خلال إثارة رغبات الانفصال لدى البلدان الإسلامية المنضوية في جغرافيتها الاتحادية فضلاً عن السيطرة على جمهوريات "القوقاز"، عزل الصين جغرافياً واقتصادياً في بحرَيها الجنوبي والشرقي إضافة إلى إحاطتها باضطرابات بدأت طلائعها في "بورما" عبر قضيّة مسلمي "الروهينغا"، وكذلك تبعيّة "أوروبا" لمصادر الطاقة الخليجية بإدارة سعودية وسندات أميركية.

طبعاً هذه المخطّطات الهائلة تدخل ضمن الرؤية الأميركية الأحادية للعالم، وهي أكبر من أنْ يستوعبها تاج "بن سلمان" وما تحت تاجه. لكنّ الأميركي تفهّم الحلم السعودي الساذج والسيكولوجيا المضطربة لشخصية ملكها الموعود، طالما أنّ المشروع الأميركي يحتاج -سعودياً- إلى المال والأدوات. فقد قامت "أميركا" بخداع أميرها الطموح، الذي ستكون بلاده الموعود بملكيّتها أول جغرافيات التقسيم وفق الرؤية الأميريكية. لذلك لن نناقش الآن سياسة "الولايات المتحدة" في أمركة العالم، بل سنركّز على دور "الملك الموعود" في تنفيذ الأجندة الأميركية الموكلة إليه لقاء تحقيق الوعد الأجوف، الذي كلّف المنطقة اليوم تريليونات الدولارات وحروبا هوجاء وملايين الضحايا ودماء تمتدّ على مساحة الجيوبوليتيكا الجديدة لإعادة رسم خريطة العالم بالخطوط الحمراء.

تبنّى "بن سلمان" كافة أشكال الدعم المادي والعسكري واللوجستي لتيسير المشروع الأميركي الهادف إلى إسقاط "سوريا" وتقسيمها، بغية عزل "إيران" وخنق "حزب الله" في "لبنان" والمقاومة في "فلسطين" باعتبار "سوريا" شرياناً حيوياً لها، وكذلك إقصاء "روسيا" إلى ما وراء المياه الدافئة للمتوسّط والحدّ من نفوذها فيه، وبالتالي السيطرة على ممرات أنابيب الغاز المتناهية إلى "أوروبا". لكنّ منعة النظام السوري وحلفائه من جهة، وبروز الحلم الإمبراطوري التركي ذي النزعة العثمانية من جهة ثانية تسبّبا في مسارعة "السعودية" إلى قيادة ثورة مضادة ضدّ الثورة الأولى في دول الربيع العربي المزعوم، والتي أتت بالإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في "تونس" و"مصر" و"ليبيا"، مما استدعى حراكاً أميركياً سعودياً عاجلاً إلى إسقاط نظام "مرسي" وحسر المدّ التركي-القطري الذي وجَدَ ممرّاً إخوانياً للتوسّع في المنطقة، فكانت تلك نقطة التصادم الأولى بين "تركيا" و"أميركا" من جهة، وبين "السعودية" و"قطر" من جهة أخرى. لذلك لجأت "الولايات المتحدة الأميركية" إلى إقلاق "تركيا" في أمنها القومي عبر الملفّ الكردي، وذهبت السعودية إلى شنّ حملة تشويهية بحق "قطر" والسعي إلى محاصرتها ودراسة إمكانية إسقاط النظام فيها بشكل جدّي. فمشروع الهيمنة السعودية يقتضي عدم بروز أيّ قوة خليجية مناوئة لها، يمكن أن تقف في وجه طموح "الملك الموعود"، الذي قاد حرباً سياسية وإعلامية شخصانية ضد الأمير القطري "تميم بن حمد آل ثاني"، وصلت إلى حدود الإهانات في الأعراض والنسب، وتصويره على أنّه صبيّ فارسي يحمل العلم الإيراني في "الكاريكاتوريّات" الصحفية والنشرات التلفزيونية. فعلاقة "قطر" مع "إيران" القائمة على الصداقة واحترام المصالح وعدم الاستعداء، هي أحد أسباب الصراع مع السعودية، فضلاً عن التصادم بينهما حول زعامة "مجلس التعاون الخليجي"، إضافة إلى خلافهما حول المشروع الإخواني الذي تجد فيه "قطر" فرصة جيوستراتيجية للعب دوراً كبيراً، خاصة بعد تمكّن حزب العدالة والتنمية من الحكم في "تركيا"، وبروز الإخوان المسلمين في "الأردن" و"تونس" و"المغرب" و"مصر" سابقاً.

أراد "بن سلمان" الاستعانة بحليف عربي يقاسمه الأعباء مالياً وسياسياً في مشروعه على المنطقة، خاصةً في حربهِ على "اليمن"، فوجد ضالّته في "الإمارات" التي تناغمت معه في قيادة الثورة المضادة، وكذلك توافقت معه في الأعمال العسكرية عبر "درع الجزيرة" في "البحرين" و"اليمن". لكنّ الغزل السعودي-الإماراتي لم يدُم طويلاً، فقد اختلفا في موضع اتفاقهما، أي في "اليمن"، الذي سيطرت "الإمارات" على جنوبه من ناحية "باب المندب"، وهي تسعى إلى إحكام سيطرتها على جزيرة "سقطرى" الاستراتيجية لكي تتحكّم بخليج "عدن"، لتكرّس دورها في "القرن الأفريقي" و"البحر الأحمر". هنا أيضاً تصادم المشروعان السعودي والإماراتي، خاصة بعد أن ظهر طموح وليّ العهد الإماراتي "محمد بن زايد" بوراثة الدور السعودي في المنطقة، في ظلّ غياب الرؤية السعودية واضطرابها عبر حملتها العسكرية على "اليمن"، مما شكّل فرصة "للإمارات" أن تقدّم نفسها وكيلاً "للولايات المتحدة الأميركية" بدل "السعودية". لذلك أرادت "الإمارات" من خلال سيطرتها على محافظة "حضرموت" وميناء "المكلا" في "بحر العرب" إمساك الخط البحري لنقل نفط "الخليج"، وبالتالي خنق "السعودية" و"قطر" و"الكويت"، إضافة إلى تأمين ممرّ نفطي بدل مضيق "هرمز" الذي يشكّل مبعث قلق في تبادل مصادر الطاقة الأساسية بين الدول، كونه خاضع للسيطرة الإيرانيّة.

إنّ العداء بين إخوة الخليج في ظلّ الأب الأميركي، دفع الملك الموعود "بن سلمان" إلى صياغة تحالف وجودي مع الكيان الإسرائيلي. فإذا كان أمن "إسرائيل" أولويّة أميركية، فسوف يتمّ ربط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي الإسرائيلي. ذلك أنّ مشروع "مدينة النور" السعودي في "اليمن" بالشراكة مع "إسرائيل" قد فشل تماماً، حيث كان يهدف إلى ربط "اليمن" بـ"جيبوتي"، وبالتالي ربط "آسيا" بـ"أفريقيا"، وقطع الطريق التجاري الحيوي على "الصين"، وعزل "روسيا"، وخنق "إيران". لذلك قرّر "بن سلمان" استبدال مشروع "مدينة النور" بمشروع "نيوم" في الشمال الغربي من السعودية، حيث يشمل جزءاً من الجغرافيا الأردنيّة، ويربط "السعودية" بـ"مصر" عبر جزيرتي "تيران" و"صنافير"، ويؤمّن لها السيطرة على البحر الأحمر في ربطهِ بين القارتين الأسيوية والإفريقية، كما يربطهما بالقارة الأوروبية عبر البحر المتوسّط. وسيكون هذا المشروع مجالاً جيوستراتيجياً للكيان الصهيوني، وربّما منصّة جيوبوليتيكية لتحقيق مآربه التوسّعية، خاصة أنّ هذا الكيان بدأ العمل على مشروع موازٍ ورديف لـ"نيوم"، من خلال ميناء "أشدود" لربط البحر الأحمر بالمتوسّط، كمنافس حيويّ لقناة السويس.

إنّ لعبة المُلك التي يمارسها "بن سلمان" باتت تتجاوز حدود مملكتهِ وتصوّراته، فالإسرائيلي لديهِ عينٌ توراتية على "مكّة"، حيث بدأ يصيغ السندات العقائدية لحقوقه المزعومة في مقدسات الجزيرة العربية، مما يعني مستقبلاً إزاحة مسلمي "السعودية" وملكهم الموعود. أما الأميركي فهو يتعاطى مع أداته السعودية الإرتكازية، فمشروعهِ المتمثّل بالشرق الأوسط الكبير يشمل تقسيم "السعودية". وإذا استمرّ الملك في اللعب الكبير، فربّما صورايخ إس400 الروسية تُسقط تاجه المحمول مؤقّتاً على طائرات إف16 الأميركية، وربّما طريق الحرير الصيني سيمرّ على أنقاض بلاطه، وربّما يختنق عهده بالغاز السوري، وربّما يغرق عرشه بفيضان الدم اليمني، وربّما تحرق قلعته حرارة النووي الإيراني، وربّما ينهار قصره بأيدي إخوتهِ الخليجيين، وربّما... وعلى أيّة حالٍ من هذه الأحوال، وفي ظلّ الإرباك الاستراتيجي السعودي، وبهذه السياسة اللاعقلانية السعودية وحالة اللايقين وانعدام الوعي وغياب المنطق الإقليمي لديها، سيكون "بن سلمان" آخر ملوك بني سعود في زمن التحوّلات الدولية باتجاه النظام العالمي الجديد.

د. عباس مزهر: مؤسّس نظرية الأنتروستراتيجيا الدولية