على الرغم من نجاح تيار "المستقبل" في حصد العدد الأكبر من المقاعد السنية في المجلس النيابي، إلا أن ذلك لا يلغي تبدل التوازنات على هذه الساحة، لا سيما مع فوز العديد من القوى والشخصيات المعارضة له، إلا أن المفاجأة الأساسية تبقى في دائرة بيروت الثانية، التي سعى فيها التيار، من خلال الخطاب السياسي التصعيد في مواجهة "​حزب الله​" والحديث عن الدفاع عن هوية بيروت العربية، إلى رفع نسبة الإقتراع، للحد من عدد المقاعد التي ستذهب إلى اللوائح المنافسة له.

في هذه الدائرة، كان "المستقبل" يتوقع خسارة 4 مقاعد في الحد الأقصى، إلا أن صناديق الإقتراع أظهرت فوز اللائحة المدعومة من "حزب الله" و"​حركة أمل​" و"جمعيّة ​المشاريع الخيرية الإسلامية​" و"التيار الوطني الحر" وحدها بـ4 مقاعد، 2 شيعة ومقعد سني ومقعد انجيلي، بينما نجح رئيس حزب "الحوار الوطني" ​فؤاد مخزومي​ في الفوز بمقعده، مع العلم أن التيار يعتبر أن هذه الدائرة هي المعقل الأساسي له، في حين أن لائحته نجحت بالفوز في 6 مقاعد، بينهم مقعد للحزب "التقدمي الإشتراكي".

المفاجأة الثانية، بالنسبة إلى "المستقبل"، كانت في دائرة طرابلس-المنية-الضنية، ليس من خلال نجاح رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي بالفوز بـ4 مقاعد نيابية (سني، روم أرثوذكس، علوي، ماروني) فقط، بل في فوز كل من الوزير السابق فيصل كرامي والنائب السابق جهاد الصمد، بالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها التيار في هذه الدائرة لمنع حصول ذلك، في حين أن فوز كل من أمين عام "​التنظيم الشعبي الناصري​" أسامة سعد ورئيس حزب "الإتحاد" ​عبد الرحيم مراد​ كان أمراً متوقعاً، بينما كان التيار يراهن على النجاح في الفوز بالمقعد السني في دائرة الجنوب الثالثة (النبطية-بنت جبيل-مرجعيون وحاصبيا)، وبالمقعدين السنيين في دائرة بعلبك الهرمل، لكنه لم يتمكن من الفوز إلا بأحد مقعدي الدائرة الأخيرة، نظراً إلى أن اللائحة التي ينتمي اليها لم تنجح بالفوز بأكثر من مقعدين من أصل 10 (سني وماروني).

بناء على هذا الواقع، يمكن القول أن تيار "المستقبل" خسر عدداً لا يستهان به من المقاعد السنية في هذه الانتخابات، في حين نجحت قوى الثامن من آذار برفع عدد المقاعد التي كانت قد فازت بها في الدورة السابقة من 3 إلى 7، بعد فوز كل من: قاسم هاشم، الوليد سكرية، أسامة سعد، عبد الرحيم مراد، فيصل كرامي، جهاد الصمد، عدنان طرابلسي، وهذا الأمر له دلالات واسعة على المستوى السياسي، وسيكون له تداعيات كبيرة على مستوى التوازنات في المجلس النيابي، خصوصاً أن لا شيء يمنع تحالف معظم هؤلاء مع نجيب ميقاتي وفؤاد مخزومي، بسبب معارضتهم جميعاً "المستقبل"، خصوصاً أن الأخير شنّ حملة غير مسبوقة عليهم خلال مرحلة الحملات الإنتخابية.

وعلى الرغم من أن تسمية الحريري لرئاسة الحكومة المقبلة في الإستشارات النيابية الملزمة محسومة، بسبب تفاهمه مع "التيار الوطني الحر" حول هذا الأمر ودعمه من قبل أكثر من فريق سياسي، إلا أن على "المستقبل" قراءة النتائج التي حصدها جيداً، خصوصاً أن ما حققه معارضوه يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة، لا سيما إذا ما عاد التوتر إلى العلاقة بين التيار والسعودية، نظراً إلى تراجع العامل المالي، الذي كان يعتمد عليه "المستقبل" في السابق، بسبب الأزمة التي يعاني منها الحريري، في حين أن مروحة خياراته السياسية باتت محدودة، نظراً إلى أنه في حال تخليه عن التفاهم مع "التيار الوطني الحر"، من الممكن بكل سهولة تسمية رئيس حكومة جديد يحظى بدعم عدد من النواب السنة.