بات الحديث عن سقوط ضحايا نتيحة حوادث السير في لبنان، بشكل يومي، أمراً عادياً، بالرغم من "التفاؤل" الذي طغى عند إقرار قانون السير الجديد في المجلس النيابي قبل نحو 3 سنوات، في حين تكتفي بعض الجهات الرسمية المعنية بإطلاق الحملات الإعلاميّة التحذيريّة.

بالنسبة إلى الكثيرين، المواطن لم يلمس من قانون السير الجديد إلا الغرامات المالية المرتفعة، في الوقت الذي تغيب فيه كل الإصلاحات التي تضمّنها القانون، لا سيما المجلس الوطني للسلامة المروريّة، الذي تقود إليه كل الطرق لدى البحث في هذه الأزمة التي تهدد السلامة العامة.

وحدها الغرامات حاضرة

في هذا السياق، يشير مدير الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية كامل إبراهيم، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن ما يحصل اليوم على الطرقات اللبنانية أمر "طبيعي"، نظراً إلى أن سلامة المواطنين ليست أولويّة في أي سياسة حكوميّة، بالإضافة إلى غياب الخطط والإستراتيجيّات التي تحد من حوادث السير، ما أدى لعدم تطبيق قانون السير بالشكل المطلوب، وإلى أن تكون الطرقات اللبنانية غير آمنة بسبب غياب الصيانة.

ويلفت إبراهيم إلى أن الهدف الأساس من قانون السير كان الحدّ من عدد الحوادث، إلا أن هذا الأمر لم يحصل لأن المطبق هو الشق المالي فقط، موضحاً أن أهمية السلامة المرورية، في القانون، جاءت من خلال ما يعرف بإدارة السلامة المرورية، أي وجود جهة تكون مسؤولة عن هذا الملف تنسق بين الادارات والوزارة وتضع الخطط والإستراتيجيات وتسهر على تطبيقه، وهي المجلس الوطني للسلامة المرورية واللجنة الوطنية للسلامة المرورية.

من جانبه، يلفت رئيس جمعية "كن هادي" فادي جبران، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن عدد حوادث السير يرتفع عادة في عطلة نهاية الإسبوع، بالإضافة إلى فصل الصيف ومواسم الأعياد، مشيراً إلى أن معظمها يقع في ساعات الليل، بينما الأسباب الرئيسيّة تعود إلى السرعة الزائدة والقيادة تحت تأثير الكحول.

من وجهة نظر جبران، الكارثة لن تتوقف إلا بتطبيق القانون، معتبراً أنه لو تم تطبيق الشق المتعلق بالسرعة الزائدة فقط كان العدد سينخفض نحو 50%، مؤكداً أن هذا الأمر تم تطبيقه في عهد وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، ويضيف: "اليوم محاضر السرعة الزائدة لا تصل إلى المواطنين إلا بعد نحو شهرين، في حين أنه في السابق كان يتم حجز المركبة حتى دفع الغرامة، التي كانت بحدود 25 ألف ليرة".

لا دراسات ولا إحصاءات

لدى البحث عن أرقام حوادث السير وعدد القتلى والجرحى، تؤكد مصادر متابعة أن ليس هناك من أرقام دقيقة في لبنان، في حين أن الأرقام الأولية لهذا العام تشير إلى سقوط ما يقارب 280 قتيلاً، بينما ما يتم الإعلان عنه غير دقيق.

في هذا الإطار، يشير إبراهيم إلى غياب الدراسات والأبحات المرتبطة بالسلامة المرورية، أي أن في لبنان ليس هناك من خطط أو إستراتيجيات علميّة، بينما كل ما يحصل عمل عشوائي، معتبراً أن الطريقة التي تم فيها تطبيق قانون السير لم تساعد في الوصول إلى الأهداف المطلوبة، "لا بل نحن في وضع أسوأ مما كنا عليه في السابق".

من جانبه، يلفت جبران إلى أن ليس هناك من آلية لتطبيق قانون السير الجديد، بالرغم من أنه جيد من ناحية النصوص، موضحاً أن الحملات الإعلامية من المفترض أن تكون من عمل الجمعيات لا القوى الأمنية، متسائلاً عن عمل المجلس الوطني للسلامة المرورية، الذي يرأسه رئيس الحكومة، واللجنة الوطنية للسلامة المرورية، التي يرأسها وزير الداخلية والبلديات؟!.

أين مجلس السلامة المرورية؟

إنطلاقاً مما تقدم، يكون من الضروري البحث عن المجلس الوطني للسلامة المرورية واللجنة الوطنية للسلامة المرورية، حيث يؤكّد جميع المتابعين على دورهما المحوري في هذا المجال، لا سيما أن الجهتين لم تقوما بأي عمل فعلي بعد 3 سنوات من إقرار قانون السير الجديد، في حين أن الإطلاق الرسمي لعمل المجلس كان في شهر آذار من العام الجاري!.

لدى الحديث عن السلامة المرورية في لبنان، فإن جميع الطرق تقود إلى المجلس الوطني للسلامة المرورية، الذي لا يمكن الحديث عنه من دون التطرق إلى اللجنة الوطنية للسلامة المرورية وأمانة سر المجلس، الّذي، يتألف من الناحية القانونية، من وزراء الداخلية والبلديات، الأشغال العامة والنقل، العدل، والتربية والتعليم العالي، وهو برئاسة رئيس الحكومة، في حين أن اللجنة تتكون من تسعة مدراء عامين ومسؤولين كبار في الوزارات والهيئات المعنية ومن ثمانية ممثلين عن المجتمع المدني المعني بالنقل والسلامة المرورية، وهو برئاسة وزير الداخلية.

من مهام هذا المجلس، وضع السياسة العامة للسلامة المرورية واستراتيجية تطبيقها، العمل على تطوير قانون السير، المراقبة والإشراف على مختلف المؤسسات والإدارات العامة والخاصة التي تعنى بشؤون السير والسلامة المرورية.

على هذا الصعيد، يؤكد إبراهيم أن العمل التنفيذي هو لأمانة السر، لافتاً إلى أنه في أواخر العام 2015 تم تعيين أمين سر المجلس، البروفيسور رمزي سلامة، إلا أنه منذ نحو شهر تقريباً تم إنهاء كافة المعاملات لتحرير الميزانية وإكتمال الهيكلية المالية، أي أن الإنطلاقة الفعلية جاءت بعد 3 سنوات من التعيين وبدء تطبيق قانون السير.

بناء على ذلك، من المفترض أن تبدأ أمانة السر في الأيام المقبلة، بعد أن كانت تعمل بـ"اللحم الحي" على مدى عامين، في عملية التوظيف، ووضع الإستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية، حيث يشدد إبراهيم على أنه لن يتغير شيء في واقع السير في حال لم يأخذ المجلس دوره الكامل. لكن ما هي أسباب التأخير الذي حصل؟.

على ما يبدو، كما هو الواقع في كل شيء في لبنان، المشكلة هي في غياب القرار السياسي الفاعل، الأمر الذي أدى إلى كل هذا التأخير في إنطلاق عمل المجلس، نظراً إلى أن قيامه بالمهام الموكلة إليه، قانوناً، يحتاج إلى قرار جدي من أعلى المستويات، بينما من الناحية العملية لا أحد من المؤسسات المعنية له مصلحة في تفعيله، بالنظر إلى الصلاحيات الكبيرة التي لدى أمانة السر، والتي من المفترض أن تتحكم بكل ما له علاقة بالسلامة المرورية، فهل يمكن بقاء الوضع على ما هو عليه إلى حين إيجاد هذا القرار؟.