لم يكن التستّر على اللقاءات التي عُقدت بين رئيسي الجمهورية ​ميشال عون​، والمكلف تأليف الحكومة ​سعد الحريري​، ومن دون الاعلان عنها، قبل سفر عون الى نيويورك، سوى نتيجة الرغبة بطبخ التشكيلة الحكومية على نار هادئة، بعيداً من الضغوط السياسية والاعلاميّة، وبناء على رغبة الحريري الشخصية، فإلتزم رئيس الجمهورية بتمني رئيس الحكومة المكلّف بالتأليف. لكن، لم يتوصل الرئيسان الى الإتفاق على صيغة موحّدة حينها، رغم الإيجابية التي تم رصدها في تباحث الرجلين بملف التأليف.
كان الحريري ينطلق من إعطاء "القوات" أربعة حقائب وزارية، الأمر الذي رفضه فريق رئيس الجمهورية، لإعتبارات لها علاقة بتوزيع الحصص، المسيحيّة تحديداً. غير أن الاجواء بقيت إيجابية نتيجة انفتاح عون والحريري على تعديلات وطروحات وأفكار متبادلة، يُمكن ان تقرّب المسافات. تلك هي عملية التأليف أساساً، في مقاربة عملية تشكيل الحكومة.
جاء سفر عون الى الولايات المتحدة، ليفرض تأجيل البحث عن التشكيلة الحكومية المقبولة، ما يعني أن اللقاءات ستُتابع، في الساعات المقبلة، بعدما أنجز رئيس الجمهورية مهمّة الحديث على منبر الأمم المتحدة. فمن اين تنطلق المحادثات؟.
عند لقاء الحريري برئيس حزب "القوات" ​سمير جعجع​، منذ يومين، في بيت الوسط، حرص "الحكيم" على عدم بث أي أجواء، لا سلبية، ولا ايجابية، ولا القول انه تمّ بحث صيغ حكومية مطروحة. لا، بل كان مستشار جعجع، وزير الاعلام في حكومة تصريف الأعمال ​ملحم الرياشي​ يردّ على سائليه: لا جديد حكومياً ابداً. بالفعل، لم يحصل إتفاق بين القوى. لكن الحريري عرض على جعجع حينها، صيغة تقضي بمنح "القوات" أربعة مقاعد وزارية: نائب رئيس حكومة وثلاث حقائب هي، التربية(تطالب بها القوات من الأساس)، الشؤون الاجتماعية، الثقافة(مطلب قواتي لتوزير الرياشي). وبحسب المعلومات، فإن جعجع قبل ضمنيّاً بتلك الصيغة، بعد إقناعه من قبل الحريري بضرورة تسهيل التأليف، لأسباب إقتصادية، والخوف من التفلّت في البلد، بغياب وجود حكومة أصيلة، في ظل رغبة عواصم دولية بتشكيل حكومة لبنانية جديدة، للتعاطي الرسمي مع نتائج مؤتمر "سيدر". غير أن جعجع، أبلغ الحريري انه لن يُعلن عن موقفه، قبل معرفة رأي عون بهذا الطرح، خشية من الإطاحة بالعرض. في وقت حاول جعجع إقناع الحريري بالذهاب الى تنظيم جلسات لحكومة تصريف الأعمال لبت الملفات الضرورية العالقة، وإتخاذ قرارات مطلوبة.
وصلت اصداء هذه الصيغة الى عون قبل إنطلاقة العودة من نيويورك، فلم يُعلن رئيس الجمهورية أي موقف، لكن ما تسرّب عن الأجواء، أن عون يوافق على إعطاء "القوات" نائب رئيس الحكومة، على أن تتوزع باقي المقاعد الثلاثة في حصة "القوات" على الشكل التالي: حقيبة خدماتية(الشؤون الاجتماعية مثلاً)، حقيبة عادية(الثقافة)، ووزارة دولة.
في حال قبل "الحكيم" بتلك الصيغة، ستقطع عمليّة التأليف الشوط الأبرز، لتبقى عقدتان بسيطتان نسبياً: تمثيل "المعارضة السنيّة"، والمشكلة الدرزيّة التي تظهر في خلاف بين الحزبين "​التقدمي الاشتراكي​" و"​الديمقراطي اللبناني​". وعند حل معضلة التمثيل المسيحي، لن تطول معالجة هاتين العقدتين، بدخول رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​ على الخط، لإستيلاد حكومة، صار أمر ولادتها حاجة وطنية ضرورية سريعة. كل السيناريوهات قائمة، بتسريع الولادة الحكومية أو تجميد طروحاتها. لأن التجارب علّمت اللبنانيين القول، رغم الأجواء التفاؤلية: لا تقول فول تا يصير بالمكيول.