تتعدّد التفسيرات والاستنتاجات لمحاولة «خنق» جنين الحكومة قبل أيام، وهو لا يزال في «الرحم السياسي». كلٌ من «التيار الوطني الحر» و»القوات ال​لبنان​ية» يُحمّل الآخر مسؤولية عرقلة الولادة والتأخير في معالجة العُقدة المسيحية، لكنّ اللافت أنّ بعض المواكبين لما يدور في الكواليس لا يخفون اطمئنانهم الى أنّ الحكومة ستؤلّف قريباً على رغم «العوارض» المعاكسة.

والى حين التثبّت ما إذا كان الانطباع المضاد للإحباط صحيحاً أم لا، ما هي رواية «التيار الوطني الحر» لمجريات الفصل الأخير من المخاض الحكومي؟
يقول مصدر واسع الاطّلاع في «التيار» إنّ محاولاتٍ كانت تتمّ منذ وقت طويل لإقناع رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ والوزير ​جبران باسيل​ بالتنازل عن موقع نائب رئيس الحكومة لـ«القوات اللبنانية»، على قاعدة أنّ التجاوب مع هذا الطرح من شأنه أن يرضي «القوات» ويسهّل ولادة الحكومة كثيراً.

اكتفى «التيار» في البداية بإعطاء إشارات أوّلية حول إمكان قبوله بحصول «القوات» على مركز نيابة الحكومة، من دون أن يحسم قراره نهائياً، في انتظار نضوج الطبخة. بمعنى آخر، أراد عون وباسيل أن تأتي موافقتُهما على الأمر ضمن سياق إبرام اتفاق كامل على الحجم والوزن مع ​معراب​، وليس بنحو مجتزَأ وموضعي.

غلّفت قشرة من الغموض البنّاء ​النقاش​ في شأن هذه العقدة فترة من الوقت، على وقع رسائل مشفّرة ومتبادلة بين «القوات» و«التيار»، الى أن زار وزير الإعلام ​ملحم رياشي​ قبل أيام باسيل، في حضور النائب ​ابراهيم كنعان​ في مقرّ «التيار»، حيث طرح رياشي رسمياً خلال اللقاء حصول «القوات» على نيابة رئيس الحكومة، فأجابه باسيل بما معناه أنه أخذ علماً بالطرح المقترَح وسيتعامل بإيجابية معه.

وتبعاً للرواية البرتقالية، بدأت «القوات» تتصرّف منذ تلك اللحظة على أساس أنّ مطلبها أصبح في «الجيبة» وبالتالي راحت تسعى عبر الضغط السياسي والإعلامي الى تحصيل مكسب آخر وهو نيل أربع حقائب وزارية من بينها «العدل» الى جانب اشتراطِ توزيعٍ معيّن للطوائف، فيما بدا أنه تطبيقٌ لقاعدة «خذ وطالب».

هنا، شعر «التيار الحر» بأنّ معراب لم تلتزم بما كانت قد أوحت به سابقاً من استعداد لإغلاق باب الأخذ والرد، إذا جرى منحها موقع نائب رئيس الحكومة، بل هي جنحت نحو رفع سقوفها مجدداً، ما أدّى الى تعقيد مسار النقاش مرة أخرى.

وتبعاً للمعلومات المتوافرة لدى احد المفاوضين، فإنه عندما سُئل باسيل خلال إحدى مراحل المشاورات الحكومية عن رأيه في فرضية منح حقيبة «العدل» الى «القوات»، ردّ بأنه شخصياً لا يمانع شرط أن يأخذ رئيس الجمهورية في المقابل وزارة الأشغال، وأن تبقى نيابة رئيس الحكومة ضمن حصته، مستدركاً أنّ هذا هو موقفه الشخصي الأوّلي، وعليه أن يستفسر من الرئيس عمّا إذا كان يقبل بالتخلّي عن «العدل»، ليتبيّن لاحقاً أنّ عون يصرّ عليها ويرفض مقايضتها بأيِّ حقيبة أخرى.

لكن، وعلى رغم الانتكاسة التي اصابت جهود ​تشكيل الحكومة​ أخيراً، إلّا انّ هناك إقتناعاً لدى قيادة «التيار» بأنّ الحكومة ستولد قريباً، وربما قبل نهاية الشهر الحالي، لأنّ أحداً لم يعد قادراً على الانتظار اكثر من ذلك بعد، وحتى الرئيس المكلف ابلغ الى جعجع أنه لا يستطيع أن يبقى معلّقاً في الهواء وقتاً أطول، مع تفهّمه لحَقّ «القوات» في نيل حصة وزارية وازنة.

وعليه، إذا كان هناك مَن يعتقد أنه يستطيع المماطلة في الأخذ والرد لإرجاء تشكيل الحكومة الى ما بعد موعد صدور العقوبات الأميركية الجديدة ضد ​إيران​ و«حزب الله» في 4 تشرين الثاني المقبل، بغية تحسين شروطه التفاوضية وزيادة مكاسبه الوزارية، فإنّ المطّلعين يؤكدون أنّ هذا الرهان خاسر ولا طائل منه، لأنّ العقوبات لن تغيّرَ شيئاً في موازين القوى الداخلية والتوازنات الدقيقة، وبالتالي ستكون للبنان حكومة قبل هذا التاريخ على الأرجح.

وتفيد المعلومات انّ التيار» أبلغ الى المعنيّين الحرص على وجود «القوات» في الحكومة الجديدة، وهو يعتبر أنه وعون قدّما الحدّ الأقصى من التنازلات لتسهيل دخولها اليها، بدءاً من التنازل لها عن نيابة رئيس الحكومة، وصولاً الى القبول بمنحها أربعة مقاعد وزارية، مروراً بإعطائها ثلاث حقائب بدلاً من حقيبتين مع شمول حصتها حقيبة أساسية وواحدة جيدة وأخرى عادية.

ويعتقد «التيار» انّ «القوات» مدعوّة الى تلقّف ما هو مطروح عليها بواقعية، بعيداً من أيّ حسابات أو رهانات عابرة للحدود، مفترضاً أنّ حصتها المقترحة عادلة حتى لو لم تكن «العدل» من ضمنها، ومتمنّياً فتح صفحة جديدة مع معراب في الحكومة المقبلة، بناءً على دروس المرحلة السابقة.