فوجئ العالم بقرار الإدارة الأميركية بالدعوة إلى وقف إطلاق النار في اليمن والشروع في مفاوضات للتوصل إلى تسوية سياسية للازمة.. البعض فسّر هذا القرار الأميركي بأنه مناورة وانّ واشنطن غير جادة في ذلك، والبعض الآخر رأى أنّ القرار يستهدف احتواء تصاعد الانتقادات الدولية للحرب التدميرية التي يشنّها التحالف السعودي وما أسفر عنها من جرائم وحشية بحق الشعب اليمني، عدا عن الحصار الجائر المفروض على اليمن، والذي أدّى إلى انتشار الفقر والحرمان والأمراض على نطاق واسع دفعت المنظمات الدولية إلى إطلاق نداءات استغاثة لتقديم المساعدات الطبية والإنسانية.. والبعض رأى أنّ أميركا استغلت إقدام الرياض على قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في اسطنبول وما أحدثته من تداعيات سلبية على النظام في السعودي، وعلى الأخصّ ولي العهد السعودي، كي تمارس الضغط عليه من أجل وقف الحرب والدخول في مسار التفاوض…


لكن من يقرأ جيداً مجريات الأحداث، ومسار هذه الحرب من اليوم الأول لانطلاقها، لا بدّ له أن يدرك جيداً أنّ الحرب شنّت بقرار وغطاء أميركي كامل، وانّ التحالف السعودي ما كان ليندفع ويستمرّ في هذه الحرب لمدة أربع سنوات ويرتكب المجازر الوحشية ويدمر البنى التحتية لليمن، لولا هذا الغطاء والدعم الأميركي العسكري والأمني والسياسي والدبلوماسي… وطبعاً بهدف أساسي وهو منع خروج اليمن عن السيطرة الأميركية السعودية وإعادة إخضاعه لما يشكله من موقع جغرافي هامّ على البحر الأحمر وباب المندب الذي تسلكه السفن التجارية وناقلات النفط العابرة من وإلى الخليج.. إلى جانب وقوعه على الحدود مع أنظمة خليجية تشكل مرتكزاً مهماً لخدمة السياسات الأميركية الاستعمارية في المنطقة..

والسؤال المطروح، إذا كان اليمن يشكل كلّ هذه الأهمية، لماذا قرّرت واشنطن الرمي بثقلها لوقف الحرب، لا سيما أنّ الحرب فشلت في تحقيق أهدافها المذكورة؟

إذا ما حسمنا أنّ واشنطن لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان، ولا يحرّكها انتهاك هذه الحقوق ولا الحرص على حمايتها، وانّ ما يحركها إنما هو مصالحها الاستعمارية التي تشكل الأساس الذي تبنى عليه السياسات الأميركية واستراتيجياتها، يمكن القول إنّ القرار الأميركي بوقف النار لا ينبع من الحرص الأميركي على وقف سفك دماء اليمنيين وإنما من منطلق الحرص على مصالح أميركا في المنطقة والتي باتت تتضرّر من استمرار الحرب التي وصلت إلى طريق مسدود وتبيّن بوضوح انه من غير الممكن للتحالف السعودي حسم المعركة عسكرياً، وانّ الشعب اليمني لا يمكن إخضاعه وكسر إرادته، وهو ما أكدته أخيراً معركة الحديدة التي عجز التحالف السعودي بكلّ ما لديه من قدرات وإمكانيات من تحقيق انتصار عسكري فيها، ومُني بخسائر جسيمة بشرية وعسكرية ومادية دفعته أخيراً إلى وقف العمليات العسكرية والتسليم مكرهاً بالفشل والهزيمة أمام المقاومة البطولية للشعب العربي اليمني جيشاً وقوى مقاومة مسلحة ولجاناً شعبية.. ووقف العمليات في الحديدة إنما هو مؤشر إلى أنّ الفرصة الأخيرة التي مُنحت للتحالف السعودي لتحقيق اختراق عسكري قبل إعلان وقف النار قد انتهت إلى فشل كبير…

لكن لماذا باتت مصالح الولايات المتحدة تتضرّر من استمرار الحرب؟

من يدقق في النتائج التي أدّت إليها الحرب منذ أربع سنوات يتبيّن له انّ استمرار الحرب أصبح ليس فقط من دون جدوى، بل ويلحق الضرر بالمصالح الأميركية ويهدّد بالخطر النفوذ الأميركي الاستعماري في هذه المنطقة الحيوية من العالم…

اولاً: إنّ الحرب تحوّلت إلى حرب استنزاف للقدرات السعودية التي باتت تئنّ من العجز في موازنتها وهي اضطرت إلى فرض الضرائب على المواطنين السعوديين والاستدانة لتغطية العجز المتزايد نتيجة الإنفاق الكبير على الحرب المستمرة وذات الكلفة العالية والتي تفوق تكلفة الحرب الأميركية في العراق، خصوصاً أنّ القوات الأميركية احتلت العراق بعد شهر من انطلاق الحرب وبعد ذلك واجهت عمليات المقاومة العراقية، أما السعودية فإنها لم تتمكن من احتلال اليمن الشمالي وهي تواصل الحرب الواسعة منذ أربع سنوات وهذا يرتب تكاليف كبيرة قدّرها معهد واشنطن بين 5 إلى 6 مليارات دولار شهرياً، هذه التكلفة المنظورة، لأنّ هناك تكاليف غير منظورة اقتصادياً واجتماعياً تجعل المبلغ يزيد كثيراً عن ذلك، ومع هذا فإنّ هذه التكاليف استنزفت قدرات السعودية وباتت غير قادرة على أن تدفع ما يتوجب عليها من صفقات عقدتها مع واشنطن التي هي اليوم بأمسّ الحاجة إلى المال السعودي لمعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا فإنّ استمرار الحرب أصبح يضرّ بالمصلحة الأميركية ويخسّرها مادياً…

ثانياً: أنّ الهدف الأساسي من الحرب كان منع تحرّر اليمن من الهيمنة الأميركية السعودية، غير أنّ الحرب لم تتمكّن من ذلك لا بل أصبح هناك خوف وقلق أميركي من تحوّل اليمن إلى لبنان آخر عصيّ على الإخضاع ويشكل نموذجاً تحرّرياً في قلب منطقة حيوية بالنسبة للمصالح الأميركية هي الأغنى بالنفط والغاز في العالم، وبالتالي فإنّ هذا النموذج التحرّري إذا ما ترسّخ قد يمتدّ إلى قلب الدول الخليجية ويدفع جماهيرها إلى الثورة لتحرير ثرواتها من النهب الأميركي على غرار ما فعلت فنزويلا… ولهذا سارع معهد واشنطن القريب من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إلى التحذير من أنّ استمرار الحرب قد يؤدّي إلى تحوّل اليمن إلى جنوب لبنان آخر.. كان هدف الحرب منع ذلك.. في حين أنّ الجنوب اليمني بات يشهد غلياناً شعبياً ضدّ القوات السعودية والإماراتية احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وسلطات الأمر الواقع.. ويطالب برحيل هذه القوات واستقلال الجنوب..

ثالثاً: إنّ استمرار الحرب في ظلّ النزف الكبير الذي تعاني منه السعودية والتراجع في نفوذها في المنطقة والتداعيات السلبية التي أحدثتها جريمة قتل خاشقجي التي كشفت الطبيعة الداعشية للنظام السعودي، والمترافق مع اقتراب انتصار محور المقاومة في سورية على الحرب الإرهابية الكونية، وفشل محاولة الانقلاب الأميركية في العراق، وخسارة قوى 14 آذار الغالبية في الانتخابات النيابية اللبنانية، كلّ ذلك قد يؤدّي إلى تداعيات خطيرة على الداخل السعودي تطيح باستقرار النظام هناك والذي يشكل أحد أهمّ المرتكزات التي تستند اليها السياسة الاستعمارية الأميركية في المنطقة في تنفيذ مخططاتها..

لكلّ هذه الاسباب مجتمعة سارعت إدارة ترامب إلى الدعوة لوقف الحرب في اليمن والشروع في مفاوضات لإيجاد حلّ سياسي للأزمة، لكن الأساس ليس إيجاد حلّ سياسي وإنما وقف النزف المادي السعودي والحدّ من التداعيات السلبية على النفوذ الاميركي في المنطقة والعمل على محاولة احتواء النتائج السلبية التي أدّت إليها الحرب سياسياً واقتصادياً وأمنياً…