بين صورة "​الربيع العربي​" ومشاهده المؤلمة، وبين المشهد الفرنسي عن المواجهات بين الشرطة و"السترات الصفراء"، يمكن القول ان اللاعب واحد وهو من الجنسية العربية إن في الدول العربيّة التي شهدت تظاهرات وبلبلة وقلاقل، وإن في ​فرنسا​ التي نزل الى شوارعها فرنسيّون من أصل عربي وافريقي وعاثوا خراباً وتدميراً بالممتلكات. ولكن، ما يجدر التوقف عنده والتساؤل هو ما اذا كان من يتحكم باللاعبين هو نفسه، فأصابع الاتّهام في ما يحصل في فرنسا موجّهة الى الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​، كما كانت هذه الاصابع موجّهة نحو الادارة الاميركية واتهامها بالتسبب بـ"الربيع العربي" الذي قلب الوضع في الشرق الاوسط رأساً على عقب. وفي ما يمكن اعتباره اقوى مؤشّر على اتهام ترامب، دعت الحكومة الفرنسية الرئيس الاميركي الى عدم التدخل في ال​سياسة​ الداخليّة الفرنسيّة بعد تعليقاته على وسائل التواصل الاجتماعي حول التظاهرات ودعوته المتظاهرين الى الهتاف باسمه.
لا يختلف اثنان على ان التظاهرات الفرنسيّة اخذت منحى مغايراً تماماً للاهداف التي تم وضعها في بداية التحرك، وما كان يفترض ان يكون تعبيراً سلمياً عن معاناة اجتماعيّة، تحوّل الى اثارة شغب واعتداء على الممتلكات، وكاد ان يصل الى حدود اقتحام الاليزيه والمطالبة بتغيير السلطة! وهذا ما عزز التكهّنات بوقوف ترامب وراء هذه البلبلة الفرنسيّة، لاعتبارات عدّة ليس آخرها "تزعم" الرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ جبهة الانفصال الاوروبي التام عن الولايات المتحدة والدعوة الى اقامة جيش اوروبي ينهي آخر فصول التعلق الاوروبي بالاميركيين. ومن المنصف القول ان ماكرون يشكل شوكة في خاصرة ترامب الاوروبيّة، فهو غالباً ما يعارض مواقفه حيال القارة العجوز والكثير من المواضيع الاخرى، ويعمل دائماً على جمع القادة الاوروبيين المؤثّرين للالتفاف حوله في مواقف لا ترضي الادارة الاميركيّة الحاليّة وتضعها في موقف حرج. ويرى الكثيرون انه بامكان ترامب الاستفادة كثيراً من الضعف الفرنسي في ​اوروبا​، فخلق هذه المشكلة من شأنه ان يدفع الدول الاوروبية الاخرى الى التفكير جيداً في اوضاعها، قبل ان تتخّذ مواقف معارضة للافكار الاميركيّة. وفي المقابل، يكون ترامب قد دعم مواقفه بنتائج ملموسة، فو الذي يعارض تماماً فكرة استقبال المهاجرين، سيستفيد من هذه الاحداث الفرنسيّة للتدليل على النتائج السيّئة لاستقبال النازحين واللاجئين من مختلف دول العالم، كما انه غالباً ما يتبجّح بنجاح افكاره الاقتصاديّة والماليّة ومردودها الايجابي على الاميركيين.
في المقابل، ستتلهّى اوروبا بأحداث فرنسا وستقلق الدول المجاورة حيال ما سيصيبها في حال اعتمدت سياسة مشابهة لتلك التي اعتمدتها باريس. قد يكون من المبالغ فيه القول ان ترامب قد "طوّع" الاوروبيين بسبب الاحداث التي تدور في فرنسا، ولكن ليس من العدل ايضاً التقليل من أهميّة هذه الاحداث ودلالاتها، إن في ما خص الوضع الاوروبي عموماً، ومطالبة اوروبا بأدوار كبيرة لها في العالم خصوصاً. وسيكون، على الاقل، من المبكر جداً اعادة الحديث عن استقلاليّة اوروبيّة عن ​اميركا​ في غضون الاشهر القليلة المقبلة، كما ان الخطط الاقتصاديّة الاوروبيّة ستصاب بجمود كبير بعد احداث فرنسا، وسيكون ترامب قد ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، وازاح معارضيه عن السكّة التي وضعوها. فهل يمكن أنْ يبني على هذا النجاح لفترة طويلة، أم ان الاستفاقة الاوروبية ستكون أسرع مما يتوقع وتعود الامور الى المحاكاة بين الجانبين، مع اصرار فرنسي اكبر من اي وقت مضى على العناد والتصدي لمخططات ترامب بكل عزم وثبات، لاستعادة صورة اوروبا القويّة بعد انتشار صورتها الضعيفة والمهزوزة في ارجاء العالم؟!.