في الوقت الذي بادر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى إجراء استشارات في القصر الجمهوري بعد خطوات كان يزمع إتّخاذها وكانت ستؤدي الى تكريس أزمة وطنية، يبادر الوزير جبران باسيل من لندن إلى التمسّك بـ»الثلث المعطل»، ما يعني عملياً عدم تأليف الحكومة، فهل إنّ باسيل أحبط استشارات بعبدا؟ أم أنّ عون أراد فقط من هذه الاستشارات إعطاء أمل وشراء وقت قبل حصول «الكارثة».

ما شهدته الأسابيع الماضية، على ما تقول اوساط سياسية، كان نافراً في الوضوح. «حزب الله» وضع على الطاولة شرطاً فجّر مراسيم تأليف الحكومة التي كانت قيد الطباعة، ونقل أزمة التأليف الى مربع غامض، قاذفاً الكرة الى مرمى عون والحريري. ردة فعل رئيس الجمهورية الطبيعية كانت الوقوف الى جانب الحريري في رفض تمثيل النواب السنة، ولكن عندما تأكد من أنّ هذا التوزير هو مطلب «حزب الله» نقل البندقية الى الحريري نفسه ملوِّحاً برسالة الى مجلس النواب وهو تلويح بالبحث في مهلة التكليف، عندها تدخّل الاطفائي الرئيس نبيه بري الذي يهندس العلاقة السنية ـ الشيعية ليقطع الطريق على رسالة عون الذي ما كان منه الّا أن حدّد استشارات رئاسية مخرَجاً للتراجع عن الرسالة الضاغطة على الحريري.

المفارقة، كما تقول الاوساط، أنّ بري الذي قبل تكتياً بصيغة الـ 32 التي تؤمّن 12 وزيراً لـ»التيار الوطني الحر» ورئيس الجمهورية، هو شريك اساسي في رفض الثلث المعطل الذي يطالب به باسيل في حكومة الثلاثين، وهذه مفارقة يُفترض التوقف عندها لأنها تتّصل بما هو أعمق من رفض الصيَغ بالمداورة تارة من الحريري وطوراً من بري ناهيك برفض «حزب الله» القاطع صيغة الـ 18 وزيراً.

وتضيف الاوساط أنّ الكرة الآن عادت كلياً الى ملعب رئيس الجمهورية الذي يصوّب عليه مباشرة ومداورة لأنه الطرف الذي يُفترض به تقديم التنازلات بعدما تنازل الجميع، لكنّ السؤال: لماذا تراجع الكلام عن تنازل عون عن الـ 11 وزيراً؟ ولماذا تمسّك باسيل بالثلث المعطل، بما يوحي وكأنه يعطل مبادرة عون؟

الجواب حسب الاوساط لا يدخل ضمن نظرية المؤامرة، فلا باسيل يريد أن يعطل عهد عون بتواطؤ مع «حزب الله» لأهداف تتصل بالحزب، وهو ليس مستفيداً من عدم تأليف الحكومة لأنّ حضوره فيها هو حضور الثلث والوزارات التي نالها هي وزارات خدماتية مهمة، وخصومه المسيحيون تمّ تحجيمُهم بنحوٍ أو بآخر.

وتشير الأوساط نفسها الى أنّ تصلّب باسيل سببه وجود إقتناع بأنّ «حزب الله» لا يريد حكومة الآن، فلماذا التضحية إذاً وخسارة مكاسب ستلقى سلة التعطيل المستمرّ الذي سيجد مئة سبب وسبب لمنع تأليف الحكومة.

ويبقى السؤال: هل أيقن الرئيس عون بعد لقائه النواب السنة حلفاء «حزب الله» أنه يفاوض «حزب الله» لا مجموعة من النواب الذين جُمِعوا على عجل؟ وهل بات لدى رئيس الجمهورية إقتناع بأنه أصبح امام حائط مسدود يشبه الحائط الذي يمنع تأليف الحكومة العراقية؟

يقول مرجع سياسي كبير إنه بات متأكداً من أنّ التعطيل خارجي، أي إيراني، فإيران لن تفرج عن ورقة تأليف الحكومة كرمى لعون أو غيره من حلفائها، إذ لا مصلحة لها في تأليف حكومة في لبنان قبل تشكيل الحكومة العراقية، كما أن لا مصلحة لها في ظلّ العقوبات التي فرضت عليها أن تبدي مرونة في لبنان، فهي تنتظر إما حواراً مع الأميركيين تُعطي بموجبه وتأخذ، وقبل ذلك فهي لن تفرج عن الورقة اللبنانية، وليس لديها ولا لدى «حزب الله» أيّ خشية من تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، لا بل يمكن القول إنها تعتبر أنه كلما بات الوضع أسوأ كلما بات ثمن ورقة الإفراج عن الحكومة أغلى وأكثر قيمة.

ويُذكِّر المرجع السياسي بما قاله الرئيس تمام سلام عن أزمة تشكيل حكومته حين كشف أنه بمجرد تقدّم المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية للتوصل الى الاتفاق النووي حلّت عقدة «حزب الله» فجأة وقبل بما رفضه في السابق حول المداورة والثلاث عشرات، وشُكِّلت الحكومة خلال أيام، وبعد تشكيلها كشف له الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما في اتّصال هاتفي للتهنئة أنّ تأليف الحكومة كان أحد نتائج الانفراج في العلاقة الأميركية ـ الإيرانية وكان بنداً من ضمن المفاوضات مع إيران.

يختم المرجع قائلاً: يبدو أنّ على عون أن يدفع ثمن العقوبات على إيران، وأن ينتظر، فلا حكومة من دون رفع «الفيتو» الإيراني.