غريب امر هذا البلد، فهو في الوقت نفسه قبلة انظار العالم من خلال اعتباره مركز الديمقراطية في المنطقة، ومساحة من الحريّة يمكن الانطلاق لتعميمها على محيطه، ولكنه ايضاً محط اهتمام غير بريء من قبل العديد من الدول التي لا تريد له الخير، وتعمل بطريقة مباشرة وغير مباشرة على ابقائه غير قادر على التعافي وفرض نفسه كبلد له دور اساسي في بيئته ومحيطه.

واذا كان هذا الامر مفهوماً لجهة عدم اكتراث الآخرين للبنان كون البلد يبدو غريبا عنهم، لا يمكن فهم استهتار اللبنانيين انفسهم ببلدهم إنْ على مستوى المسؤولين او على مستوى المواطنين. هذا الكلام نابع مما شاهدناه في الايام القليلة الماضية حيث ضربت العاصفة "نورما" لبنان، وقبلها عواصف ورياح اخرى قلبت المشهد اللبناني رأساً على عقب، فأسقطت ضحايا وتركت قدراً كبيراً من الدمار والخراب في الممتلكات، فيما يعود بعض الضرر بشكل رئيسي الى سوء البنى التحتيّة غير المؤهّلة للتعامل مع كمية "عاديّة" من الامطار فكم بالحري مع ما تحمله الينا العواصف؟!.

قبيل نهاية العام الفائت، كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يمنّن النفس بأن الحكومة الجديدة ستنفّذ الخطة الاقتصاديّة الموضوعة، والتي جابت العالم وحازت على ثقة الدول المانحة في مؤتمر "سيدر". نظرياً، يمكن القول ان الخطة كفيلة بإنقاذ لبنان من الغرق، ليس فقط غرق المياه، بل من الغرق في كل المشاكل البيئية والطبيعية والاقتصادية من خلال مشاريع تعزز وتفعّل البنى التحتية، وتعطي زخماً للطاقة، وتقدم حلولاً للمشاكل الاقتصاديّة. ولكن عملياً، اثبتت الامور انه تاريخياً، لا تسير الاوضاع في لبنان كما هو مخطط لها، اما بسبب الهدر والفساد الذي ينخر في كل زاوية في المؤسسات، او بسبب المماحكات في زواريب الشوارع اللبنانية المنقسمة بين الاحزاب والطوائف والتي لا تسمح بمرور أيّ مشروع دون موافقتها، وهي مسائل عاينها اللبنانيون في تاريخهم المعاصر.

بالتالي، ليس من الغريب القول ان المراهنة على الخطة الاقتصاديّة يبقى مجرّد حلم غير قابل للتحقيق، وفي أفضل الاحوال من شأن الخطة ان تحسّن الاوضاع بنسبة بسيطة، فيما المطلوب ايجاد حلول جذرية والقدرة على تطبيقها قولاً وفعلاً، ولو ان الامر سيبدو وكأن التقدّم البسيط الذي سيحصل -ان حصل- هو بمثابة حلّ جذري وبناء اساسي لمجمل الحلول التي يعاني منها لبنان على الصعيد غير السياسي.

وقد يبقى السؤال عمّن ينقذ لبنان من غرقه دون جواب، وذلك بسبب التدخلات السياسيّة والطائفيّة والمرتبطة بأجندات خارجيّة متشعبة تسمح باللعب بالوضع اللبناني، ليس فقط على الصعيد السياسي بل على الصعد كافّة، ومنها الحياة اليوميّة المرتبطة مباشرة بطريقة عيش اللبناني. واذا كان من المنصف القول ان الخارج غير مهتم بالتفاصيل اليوميّة لحياة اللبنانيين، فإن من الصحيح ايضاً القول أنّ عرقلة أيّ طائفة او حزب او تيّار قيام أيّ مشروع حيويّ للبنان، انّما يحصل بفضل الدعم الخارجي الذي تتمتع به هذه الجهة المعرقلة والذي يخوّلها فرض ما تريد بغطاء خارجي.

كشفت العاصفة "نورما" بعض العيوب اللبنانية، ولكنها كشفت ايضاً أنّ الانقاذ الحقيقي للبنان لا يزال بعيداً عن متناول اللبنانيين، وليس في الامر احباطاً او دعوة الى اليأس بقدر ما هو وصف منطقي وصريح لواقع الامور التي نعيشها في بلد، اذا صدقت النوايا والارادات فيه، يمكنه ان يتحوّل سريعاً الى احدى جنّات العالم، ومقصداً للجميع في كل الفصول، ومحطّة دائمة للبعض نظراً الى مساحته الصغيرة وجمعه للصيف والشتاء ضمن مسافة جغرافيّة قليلة، ورغبة عربيّة ودوليّة في التمتّع بما يقدمه شعبه من اجواء مختلفة عن منطقة الشرق الاوسط بأكملها.