الأوطان كالانسان:

الإنسان، حين تُصبِح همومه أكثر من طاقته، ينوء تحتها.

هكذا الوطن، حين تصبح ملفاته ثقيلة، يصبح تحت ضغطها.

ولعلها المرة الأولى في تاريخ لبنان المعاصر، ان الملفات باتت من النوع المتشعِّب والداهم في آن واحد، في ما مضى كان البلد يهتم بملف واحد أو اثنين، على أكثر تعديل، ويركز على معالجتهما. اليوم عشرات الملفات في آن واحد:

من ملف الكهرباء إلى ملف النفايات إلى ملف الهدر والفساد، إلى ملف الحسابات الضائعة أو غير المدققة، إلى ملف التوظيفات العشوائية، إلى ملف المليون ونصف مليون نازح سوري، إلى ملف الغاز في البحر، إلى ملف الحدود وضبط التهريب، إلى ملف الشغور في وظائف الفئة الأولى والتي تفوق المئة، إلى غيرها من الملفات.

***

هذه كلها، هل بمقدور السلطة السياسية القائمة أن تديرها وتقوم بها وتنجزها؟

ليس هذا السؤال من باب التشكيك في قدرة السلطة السياسية القائمة، ولكن من خلال التجارب يتبيَّن ان الضغط أصبح كبيرًا والمهل لم تعد كافية خصوصًا ان الدول والمنظمات تُلزمنا بمواعيد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد الزمنا موفد الرئيس الفرنسي "بيار دوكان" بأن ننجز الموازنة العامة للعام 2019 حتى نهاية هذا الشهر، فأين الموازنة؟ وهل هي جاهزة؟

وزير المال علي حسن خليل جاهز ليطلب وضعها على جدول أعمال مجلس الوزراء، لكن المجلس لا يستطيع انجازها في جلسة واحدة بل من خلال عدة جلسات، وحتى عند إحالتها على مجلس النواب، فإنها تحتاج إلى أكثر من يوم في الجلسات العامة، فهل بالإمكان إنجاز كل هذا الأمر في ما تبقى من أيام هذا الشهر والتي لا تزيد عن العشرين يومًا؟ من الصعوبة بمكان إنجاز هذا الأمر في ما تبقَّى من أيام الشهر، لكن لا بد من إنجازها ولو مع بعض التأخير.

***

وحتى لو أُنجزت موازنة العام 2019 قريبًا، فإن ما طلبه "دوكان" لهذه السنة يُعتبر تحديا أيضًا، فالمطلوب إنجاز موازنة العام 2020 في مهلة أقصاها نهاية هذه السنة، فهل الموضوع قابل للإنجاز؟

إنه تحدٍ جديد أمام الحكومة.

***

ومن الملفات التي يُفترض بالحكومة ان تواجهها، ملف قطاع السياحة: المعروف أن السياحة في لبنان هي "ذهبُه ونفطه" وأن هناك وعودًا من الأشقاء العرب بأن يعاودوا المجيء الى لبنان، ولكن هل جهّزت الحكومة مستلزمات هذه السياحة؟

مشكورٌ وزير السياحة افيديس كيدانيان على جهوده، لكن المسألة بحاجة الى تضافر جهود عدة وزارات ومنها: الداخلية والأشغال والاقتصاد، لجهة وضع السير والازدحامات ولجهة تنظيم الاوضاع في مطار بيروت ولجهة الأسعار في المطاعم والمنتجعات. السياحة كلٌّ متكامل، وإذا ما تحسنت هذه السنة فإن من شأن تحسنها ان يخفف قليلًا من الأعباء المطروحة على البلد.

***

تبقى مسألة النزوح ومفاعيله من أهم الإستحقاقات على البلد، يكفي ان يعرف المتابعون أن الولادات بين النازحين بلغت في العام 2018 ما يقارب الـ 200 ألف طفل ليعرفوا الحجم الذي سيبلغه هذا الملف إذا لم تُعالَج مسألة العودة، فالدولة اللبنانية غير قادرة على الاهتمام بأبنائها، فكيف إذا كان الامر يتعلق بمليون ونصف مليون نازح وسيُضاف إليهم مئتا ألف طفل كل سنة عدا الوافدين الجدد من سوريا.

***

هذه عيّنة من الملفات، فهل ستضع السلطة السياسية خارطة طريق لبدء المعالجة وفق الاولويات؟