قرّر أحد كبار ​القضاة​ إقامة حفل عيد ميلاده في أحد المطاعم «البحرية» الشهيرة. حضر الحفل أكثر من ٨٠ قاضياً. أحدهم كلّف نفسه عناء السؤال عن «راعي الحفل»، ليكتشف أنّ تكاليف العشاء ستُدفع من جيب أحد الأشخاص الذين تدور حولهم شبهات، فقرر عدم المشاركة. راعي عيد الميلاد نفسه تزخر صفحته الفايسبوكية بعشرات الصور مع قضاة وضباط. حال هذا الشخص من حال عدد من «سماسرة القضاة» الذين تبدأ معهم الرشوة القضائية من دعوة عشاء إلى رحلة خارج البلاد، ثم تتطور إلى أكثر من ذلك. وفي ضوء التحقيقات الجارية حالياً مع «السماسرة» الموقوفين وعدد من الموظفين العدليين والضباط ورجال الأمن، يحضر سؤالٌ لا بدّ من طرحه: هل الفساد يقتصر على العسكري والضابط المكلَّف إجراء التحقيق، و«المباشِر» القضائي والكاتب ورئيس القلم الذين يتّكل عليهم القاضي في قراراته أو أحكامه، وعلى سائق القاضي ومدير مكتبه؟

هل يمكن الحديث عن عدالة؟ ورغم أنّ أحداً من الموقوفين لم يذكر أنّه اقتطع من حصّته من الرشوة ليدفع للقاضي، فكيف كان يُخلى سبيل موقوف إذاً أو تُنفّذ الخدمة أو تُمرّر التسوية المرتجاة؟
العدلية​ لم تعد اسماً على مسمّى. صار العدل يُفتقَد في قصور العدل. حرمان العدل يبدأ بالقضاة أنفسهم. أحد المتقاضين يلفت نظر القاضي إلى مسألة النظافة في خربة تُسمّى ​قصر العدل​. القضاة في عدلية بعبدا يعانون من ​انقطاع الكهرباء​، كما أنّ الموظفين القضائيين في هذه العدلية يستخدمون هواتفهم للإضاءة بحثاً عن الملفات التي يأكلها «العت». أيُّ عدلٍ قد يُرتجى من صغار القضاة، فيما بعض كبار القضاة من القيّمين على العدالة يرتجفون خوفاً من سطوة سياسي أو حسابات سياسية قد تُطيحهم من مراكزهم، فيلهثون لإرضاء أولياء نعمتهم؟ ألا يُفترض بكبار القضاة أن يكونوا قدوة يحتذي بهم القضاة الجدد؟ مَن مِن هؤلاء القضاة قد يشعر بالفخر إذا اصطحب ابنه إلى أحد قصور العدل المتهاوية؟ هل تصلح «عدلية بعبدا» لتكون نموذجاً، يُشجّع على الثقة بالقضاء ونظام العدالة، سواء شكلاً أولاً قبل المضمون؟
القضاء مرآة النظام. والسجون مرآة القضاء. وانهيار القضاء يعني انكسار الدولة.
إذا لم تُكمَل هذه الحملة، فذلك يعني أنّ العهد كُسِر. لقد خَبر الفاسدون المتجذّرون في مراكزهم أساليب الحرب المضادة. بمجرّد توقيف فاسد منهم، يسعون بشتّى السبل لإطاحة المحاولة لاستئصالهم. السلاح الأمضى الذي يستخدمونه هو الطائفية. يزعمون أنّها حربٌ تشنّها طائفة على طائفة. غير أنّ «الترند» الرائج في الفترة الأخيرة، استخدام عبارة: «مؤامرة تُشنّ على العهد أو استهداف العهد». هذا السلاح استُخدم للهجوم على فرع المعلومات في ​قوى الأمن الداخلي​ الذي يتولّى التحقيق في قضية «سماسرة العدلية»، علماً أنّ هذا الفرع بدأ عمليات التوقيف في المديرية قوى الأمن الداخلي، بناءً على ملف رشىً كوّنت أساسَ جزء منه مديرية ​استخبارات الجيش​. تابع فرع المعلومات التحقيقات، وانتقل من قضية إلى أخرى، ليُوقَف عشرات الضباط والعناصر، بينهم ضباطان (على الأقل) في الفرع نفسه.

لماذا لم يتحرّك المدّعي العام التمييزي لكفّ يد مؤقت لقضاة وردت أسماؤهم في التحقيقات؟
ألا يعلم هؤلاء أنّ الحاكم القوي والعهد القوي لا يرضى إلا بجهازٍ أمني قوي وقضاء حقيقي نظيف مستقل وعادل؟ وبعيداً عن أي حسابات، لماذا لم يتحرّك المدّعي العام التمييزي ​القاضي سمير حمود​ لكفّ يد (مؤقت) قضاة تدور حولهم شبهات أو على الأقل وردت أسماؤهم في التحقيقات الجارية؟ ليس هنا المقصود اتهام أحد منهم، لكن على الأقل وردت أسماء البعض في إفادات موقوفين اعترفوا بقبض ودفع رشىً لتسوية مئات الملفات. موجب التحفّظ القضائي يُحتّم على القاضي الصمت وسريّة المذاكرة في الظروف الطبيعية، لكن ألا تستدعي حالة الطوارئ التي تعيشها العدلية حراكاً استثنائياً من كبار القضاة؟ لماذا لم يمسك المدّعي العام التمييزي بزمام التحقيق؟ أليس الأجدر به ذلك لقطع النزاع القائم بين القضاة المكلفين الإشراف على التحقيق؟ ألا يعرف أنّ ذلك يشكّل ضمانة تُطمئن القضاة وتحميهم وتردّ الاعتبار لهم أولاً ثم أمام المواطنين؟ وبالمناسبة، أين ​التفتيش القضائي​؟ هل لا يزال يعمل؟ ألا يفرض ما يجري على ​رئيس الجمهورية​ ورئيس الحكومة الإصرار، علناً، على استكمال ورشة ​مكافحة الفساد​ والعمل على إعادة بناء القضاء من جديد لإعادة الثقة به؟
في مقابل القضاء، يحضر دور نقابة المحامين، الجناح الثاني للعدالة. هل يُعقل أن تُعطي نقابة المحامين الإذن لملاحقة محامين لأسباب أقل من عادية بينما تمتنع عن إعطاء الإذن أو تتلكأ في منحه لملاحقة محامٍ ذائع الصيت وسط زملائه في ملفات مشبوهة؟ هل تؤكد النقابة بإجرائها هذا ما يتندّر به أحد المحامين الذي علّق على تأخر النقابة في إعطاء الإذن بالقول: «لم يعد يحتاج المحامي ليعرف النصوص القانونية. يكفي أن يعرف القضاة».
ما يجري في العدلية حالياً لا يمكن تركه بلا تدخّل. على ​مجلس القضاء الأعلى​ ان يقول كلمته، وأن يوضح مسار الأمور، بدل التذرّع بواجب الصمت، والاكتفاء بمراقبة العدل تتآكلها الشائعات والخوف.


وزير العدل: «مستمرون لاستئصال الفساد»
أكد وزير العدل ألبرت سرحان، في حديث إلى «الوكالة الوطنية للإعلام»، تعليقاً على ما تتداوله وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن التحقيقات الجارية في «قضايا الفساد في القضاء»، أنه يواكب «كوزير عدل لحظة بلحظة هذه التحقيقات، ولهذا السبب عقد اجتماعات عدة مع المراجع القضائية المختصة، وفي مقدمها رئيس مجلس القضاء الأعلى ​القاضي جان فهد​ والمدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود ورئيس ​هيئة التفتيش القضائي​ القاضي بركان سعد، للتنسيق ومواكبة هذه الأمور». وطمأن وزير العدل المواطنين والقضاة والمساعدين القضائيين، إلى أن «البريء ستظهر براءته والمذنب سينال عقابه، ولن يكون هناك أي تحامل على أحد، والعدالة ستأخذ مجراها، وسنعمل على استئصال جذور الفساد في القضاء وسائر الإدارات المعنية».