حاول وزير ​البيئة​ الأسبق ​طوني كرم​ عام 2008 تنظيم عمل ​المقالع والكسارات​ والانتهاء من نغمة "المهل الإداريّة" التي تُعطى من قبل ​مجلس الوزراء​ بغية استمرار عمل هذه المقالع ريثما يتم تنظيمها. بعد مرور 11 عاما لا تزال المهل الإداريّة سارية المفعول، والتنظيم... في خبر كان.

تُشكّل حكومة جديدة، فيستلم ​وزارة الداخلية​ وزيرا جديدا يقرر توقيف المهلة الإداريّة السارية المفعول لعمل المقالع والكسارات، فيتمّ بعدها الضغط على ​الحكومة​ و​وزارة البيئة​ من باب توقف النشاط الصناعي وضغط ​العمال​، فيتقرر إعطاء مهلة إداريّة جديدة وتستمر الأمور على ما هي عليه. هذا نفسه ما يحصل اليوم بعد قرار وزيرة الداخلية ​ريا الحسن​ توقيف عمل المقالع والكسّارات، ما تسبّب بتوقف عمل مصانع الترابة في شكا وبدء الضغط.
أمس نفّذ عمّال مصانع الترابة في شكا ​اعتصامات​ قطعوا خلالها الطريق الدوليّة، مطالبين بعودة عمل المقالع لاعادة العمل في المعامل من جديد. يقول نعيم عيد وهو أحد عمال مصانع الترابة في شكا ان العمال لا يستطيعون تحمّل عدم العمل، خصوصا و"أن الادعاءات حول خطر معامل الترابة غير صحيحة، فالمعامل لا تسبب ​السرطان​، ونحن نعمل منذ سنوات طويلة هنا ولا زلنا بصحة جيدة"، داعيا المعنيين الى زيارة ​المصانع​ والتأكد من مطابقتها للمعايير البيئيّة المطلوبة.
ويضيف عيد في حديث لـ"النشرة": "لدينا شهادات دولية تثبت التزامنا البيئي، ونحن نقوم بتشجير الأماكن التي نحفرها، ولكن المشهد بحاجة الى وقت ليظهر بشكل جيد"، مطالبا من يدّعي تلويث المعامل للمنطقة أن يتقدّم بمستندات ودراسات تثبت هذا الامر، سائلا عن سبب رفض وزارة البيئة لزيارة المعامل والكشف عليها.
يتحدث عيد عن ضغط يتعرّض له صاحب المعمل الذي يعمل فيه من قبل البلديات المحيطة، مشيرا الى انها تطلب المال مقابل تسهيل عمل المعمل، ولكن عندما جاء الردّ بأنّ التقديمات ستكون على شكل مشاريع لا اموال نقديّة، رفضوا الأمر، وهذا يعني ان هناك من يسعى للاستفادة ماديًّا، ولا يريد للبيئة أن تكون سليمة، حتى ولو كان هذا الأمر على حساب ​الصناعة​ الوطنيّة التي يوقفون مسيرتها في وقت يدعون فيه لتطويرها.
بالمقابل تكشف مصادر مطّلعة في وزارة البيئة أنّ قرار الداخلية لا يؤدّي الى تنظيم عمل المقالع والكسّارات، بل الى إرباك وزارة البيئة ومنح مهل إداريّة جديدة، تماما كما كان يحصل في السابق، مشيرة الى أنّ كل التوقّعات تؤكّد أن مجلس الوزراء سيعطي هذه المهل قريبا تحت ذريعة "حماية الصناعة".
لا تنفي مصادر وزارة البيئة انّ معامل الترابة في شكّا لا تسبب السرطانات، بل يمكن أن تسبب التلوّث للهواء او أمراض رئويّة، كاشفة عبر "النشرة" أن نسب السرطان المرتفعة في تلك المنطقة ناتج عن تعرض مجتمع شكا من عمال لأحد المعامل في المنطقة، وبعض الاهالي من خلال منازلهم وارصفتهم، وبيئتهم لمادة "الحرير الصخري" ما يعرف بـ"الاميانت" او "الأسبست"، وهذه المادة المسرطنة والمدرجة على لوائح منظمة الدولية للبحوث للسرطان.
وتضيف المصادر ان "هذه المادة كانت تستعمل في معمل القساطل أي معمل "الاترنيت" وتعرض لها العمال منذ الخمسينيات حتى التسعينيات، وعادة ما تظهر عوارض التأثير لهذه المادة بعد 20 او 30 عاما.
اما بالنسبة للشهادات الدوليّة، فتكشف المصادر أن "الحصول على "أيزو بيئية" لا يعني انك ملتزم بالمعايير، فشهادات الأيزو 14001 التي تتباهى بها المعامل لا تشير بأي شكل من الأشكال الى التزام مصانع الترابة بالقوانين والأنظمة البيئية المرعية، وتحديدا قراري وزارة البيئة رقم 1911 عام 1997 ورقم 81 عام 2001.
بالنتيجة لن يطول توقّف عمل المقالع والكسّارات، فهو يُعدّ عملا روتينيا يقوم به وزراء الداخلية مع تسلّمهم عملهم، فهل يتكرر "الفيلم" هذه المرة، ام تكون "نوايا العمل السليم" أقوى، فيعمل "الملتزم والمرخص"، ويتوقف المخالف؟.