في الوقت الذي يقترب إعلان "​قوات سوريا الديمقراطية​" هزيمة تنظيم "داعش" الإرهابي عسكرياً في آخر معاقله، تطرح الكثير من الأسئلة حول الإستراتيجيّة التي سيعتمدها التنظيم في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنه لا يزال يملك الكثير من الأوراق الأمنيّة القادر على إستخدامها في العديد من دون ​العالم​.

بالتزامن، لا تغيب عن الأذهان حالة الإرباك التي مرت بالإستراتيجية الأميركية في سوريا، في الأشهر السابقة، في ظل التناقض في المواقف حول الإنسحاب العسكري الكامل من عدمه، وصولاً إلى قرار الإبقاء على قوة صغيرة لفترة زمنيّة غير محدّدة، كان الهدف منها تشجيع "الشركاء" في ​التحالف الدولي​ على القيام بالأمر نفسه.
في هذا السياق، تشير مصادر مطلعة، عبر "النشرة"، إلى أن أبرز معالم الإستراتيجيّة الأميركية الحاليّة، التي تنفصل عن التوجه العام في المنطقة الذي يضع حصار ​إيران​ على رأس قائمة أولوياته، تقوم على معادلة أن المعركة النهائية ضد "داعش" على وشك الإنتهاء، في مقابل غياب جدول زمني لسحب ​القوات​ العسكرية بشكل كامل من سوريا، على أن تكون مهمتها الأساسية هي الهزيمة الدائمة للتنظيم الإرهابي، التي تتضمن الهزيمة الإيديولوجيّة وملاحقة الخلايا النائمة لمنع عودته إلى الواجهة من جديد.
في القراءة الأميركيّة لواقع "داعش" الحالي، لن يكون التنظيم متحكّمًا بأي قطعة أرض خلال فترة قصيرة، ما يعني هزيمة فكرة ولادة "الخلافة" أو "الدولة" من جديد، إلا أن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال زوال التهديد الأمني الذي يشكله، في ظل التقديرات بأنه لا يزال لديه ما بين 15000 و20000 من الأتباع المسلّحين، القسم الأكبر منهم هو داخل الأراضي ​العراق​ية.
في هذا الإطار، تلفت المصادر نفسها إلى أن لدى ​الإدارة الأميركية​ قناعة بأنها قادرة على تحقيق أهدافها، من خلال الإبقاء على الوحدة العسكرية الصغيرة في شمال شرق سوريا، بالإضافة إلى تلك الموجودة في قاعدة التنف العسكرية، التي تقع على الحدود السوريّة العراقيّة الأردنيّة، من دون تجاهل القدرة على التحرك سريعاً، متى دعت الحاجة، من خلال القواعد العسكريّة الموجودة في العراق، التي تسمح لها بالسيطرة على المجال الجوي، إلا أنّ هذا لا يلغي وجود تحديين بارزين، هما المصالح والمخاوف المتضاربة بين ​الأكراد​ والأتراك، والفشل في القدرة على التوفيق بينهما حتى الساعة، بالإضافة إلى ملف المعتقلين الأجانب من عناصر "داعش" لدى "قوات سوريا الديمقراطيّة"، التي ترفض دولهم إستعادتهم، ما يشكل عبئاً ثقيلاً على تلك القوات.
في المقابل، لم ينتظر "داعش" الهزيمة الكاملة على الأرض السوريّة حتى يخرج إلى العلن لتحديد خطته المستقبلية، التي تعكس حالة المكابرة التي يمرّ بها، حيث نشرت وسائل إعلام تابعة للتنظيم، في الأيام السابقة، كلمة صوتية للمتحدث الرسمي باسمه أبو الحسن المهاجر بعنوان "صدق الله فصدقه"، اعتبر فيها أن خسارة المناطق التي كان يسيطر عليها "داعش" سابقاً "انحياز وليس خسارة"، وبالتالي هو عائد إلى المناطق التي إنحاز منها "طال الزمن أو قصر".
في هذه الكلمة، حرص التنظيم على التأكيد أن "معركة الجهاد طويلة" في حين أن ​واشنطن​ "أعلنت نصراً مزوّراً"، إلا أن الأساس، بحسب المصادر نفسها، هو التهديد بالحرب المفتوحة التي تمتاز بتعدّد الجبهات، مع تخصيص القسم الأكبر منها للأكراد، الذين يعتبرون العامود الفقري لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، حيث دعا "رجالات الدولة"، في ​دير الزور​ والرقّة و​الحسكة​، إلى الثأر، عبر ​تفجير​ العبوات الناسفة ونشر القنّاصة وإعداد المفخّخات، في مؤشّر على الإنتقال إلى مرحلة "حرب العصابات".
بالتزامن، لم يتجاهل "داعش" توجيه التحذيرات إلى ​العشائر​ السوريّة من مغبّة الإنخراط في صفوف "قوات سوريا الديمقراطيّة" أو التعاون معها، والدعوات إلى تلك العراقيّة بالإستعداد للمعركة الطويلة، إلا أن المعلومة الأهمّ تبقى التأكيد بأن زعيم التنظيم ​أبو بكر البغدادي​ لا يزال على قيد ​الحياة​، من خلال نشر توصية له إلى الأتباع بالإبتعاد عن أجهزة الإتصال منعاً للتجسس.
في المحصّلة، لا تعني الهزيمة العسكريّة لـ"داعش" إنتهاء الخطر الذي يمثّله، بل الإنتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة قد تكون أخطر، لا سيّما أن العوامل التي أدّت إلى بروزه لا تزال قائمة، لا بل هي قد تؤدي إلى ولادة تنظيم أخطر منه في المستقبل.