ليس صحيحاً أنّ "​تيار المستقبل​" ينام على حرير في الاستحقاق الانتخابيّ الفرعيّ المرتقب في طرابلس، على الرغم من أنّ كلّ حساباته وتقديراته تؤكد أنّ فوزه "مضمون"، وأنّ المقعد النيابي الذي سقط قسراً عن مرشحته ​ديما جمالي​، بقوّة قرار المجلس الدستوريّ، عائدٌ لها حتماً، بقوة صناديق الاقتراع.
وتوازياً، ليس صحيحاً أيضاً أنّ إعلان قوى "8 آذار" عزوفها عن المشاركة في الانتخابات نزل برداً وسلاماً على "المستقبل" الذي كان يمنّي النفس بـ"انتصارٍ مدوٍ" على المرشح الطاعن بنيابة جمالي ​طه ناجي​، بما يُسقِط كلّ "ادّعاءاته" عن أحقية فوزه بالنيابة، من دون العودة إلى الناخبين، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
قد لا يشعر "المستقبل" بوجود منافِسٍ "جدّي" له في ​الانتخابات الفرعية​، التي وصل عدد المرشحين فيها إلى ثمانية، معظمهم غير معروفين، إلا أنّ ثمّة من يقول إنّ "المستقبل" يواجه نفسه وجمهوره في الانتخابات، في ظلّ توجّسٍ غير بسيط من مشهدٍ "هزيل" من حيث الإقبال، ما من شأنه إفراغ أي "انتصار" من مضمونه...

منافسة غير متكافئة


بمُعزَلٍ عن كلّ التفاصيل والحيثيّات، يبدو "تيار المستقبل" مرتاحاً لجهة الفوز في الانتخابات الفرعيّة في طرابلس، خصوصاً بعد عزوف من يمكن وصفهم بـ"الأقوياء"، ولو نسبياً، عن المشاركة في الاستحقاق المرتقب على المقعد السنّي الشاغر في عاصمة الشمال. ولا شكّ أنّ الوزير السابق ​أشرف ريفي​ كان أكثر الأسماء التي "تُقلِق" التيّار، ما دفعه إلى الذهاب إلى "المصالحة" معه بعد طول "عناد"، لتفادي معركةٍ لا يعتبر أنّ لا لزوم لها فحسب، بل يصرّ على أنّ من شأنها أن تستهلك من رصيده الشعبيّ والسياسيّ.
وجاء التوافق مع ريفي ليعزّز "الارتياح المستقبليّ"، بعدما نجح رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ في جمع العديد من الأفرقاء الذين خاض في وجههم انتخابات أيار حوله، وفي مقدّمهم رئيس الحكومة الأسبق ​نجيب ميقاتي​، فضلاً عن تحالفه مع الوزير السابق ​محمد الصفدي​، والذي تكلّل بتوزير زوجته فيوليت خير الله في حكومة الوحدة الوطنية. وعلى الطريقة نفسها، جاء إعلان قوى "8 آذار" عدم خوض المعركة، بل اعتبارها "كأنّها لم تكن"، ليضمن لـ"المستقبل" انكفاء جميع القوى الوازنة أو التي تملك حيثية ما في عاصمة الشمال، بما يريحه على أكثر من مستوى وصعيد.
لكن، وفي مواجهة حلف "المستقبل" الذي يبدو متيناً إلى حدّ ما، مرشحون مستقلّون في معظمهم يخوضون المعركة التي لا يمكن اعتبارها "مصيرية" ولا "مفصلية"، علماً أنّ بعضهم يخوضها للمرّة الأولى. وإذا كان اسم النائب السابق ​مصباح الأحدب​، والذي شكّل "مفاجأة" لكثيرين، هو الأكثر بروزاً على هذا الصعيد، فإنّ الاعتقاد بقدرته على تشكيل "حالة" في مواجهة "المستقبل" لا يبدو كبيراً، علماً أنّ البعض لا يستبعد أن يكون ترشّح الرجل بمثابة "مناورة"، سيعود عنها قبل اليوم الانتخابيّ.
وفي حين يعيد الاستحقاق الانتخابي الفرعيّ إلى الأضواء ظاهرة "انقسام" المجتمع المدني على نفسه، مع كثرة مرشحيه، بما يمنعه أصلاً من إمكان التأثير الفعليّ، وهو ما شكا منه الكثيرون في الانتخابات الأخيرة، يبدو المرشح يحيى مولود عازماً على المواجهة حتى الرمق الأخير، وهو كان البادئ في الحملة الانتخابية، طامحاً إلى تحقيق نتيجة جيّدة في عقر دار "المستقبل" الذي يصرّ على تجاهله، فيما ترفض جمالي خوض أيّ "مناظرة" معه.

المعركة الحقيقيّة؟!


باختصار، سواء استمرّ جميع المرشحين في خوض المنافسة أم لا، فإنّ المعركة الحقيقية بالنسبة إلى "المستقبل" ليست معهم، بقدر ما هي مع نفسه ومع جمهوره، الذي لا يبدو متحمّساً أصلاً لانتخاباتٍ لا طائل منها ولا جدوى، وهو ما يفاقمه عدم وجود مرشح جدّي في مواجهة "المستقبل"، ينتمي إلى قوى "8 آذار"، أو يُعتبَر من المقرّبين من "حزب الله".
ولعلّ أكثر ما يؤرق "المستقبل" وسط ذلك، أنّ العناوين التي لا يزال مصراً على خوض المعركة على أساسها انتفت، وفي مقدّمها مواجهة مشروع "حزب الله" وأجندته، والتي سارع أمينه العام أحمد الحريري، الذي يشرف شخصياً على الحملة الانتخابيّة، إلى إعلانها قبل تبلور الصورة الانتخابية أصلاً، بقوله إنّ "طرابلس ستكسر حزب الله وحلفاءه والمعركة لردّ الغدر".
ومع أنّه ليس مستبعَداً أن يستمرّ "المستقبل" بهذه العناوين الشعبويّة، لاعتقاده أنّ لا قدرة له على استنهاض شارعه وتحفيزه من دونها، وعبر تصوير الأمر وكأنّ "كسر الحزب" يتمّ عبر الفوز بمعركةٍ فرضها الأخير بعد مصادرة مقعد جمالي، فإنّ مثل هذه المبرّرات قد لا تبدو شديدة الواقعيّة، خصوصاً أنّ "المستقبل" لن يستطيع القول إنّ أياً من منافسيه يمثّل "حزب الله"، ولو سبق أن اتهم "خصمه" في الانتخابات الأخيرة وحليفه في انتخابات اليوم اللواء أشرف ريفي بأنه يخدم مشروع الحزب، في صورةٍ شديدة السرياليّة.
وانطلاقاً من ذلك، يشعر "المستقبل" بأنّ التحدي الأساسي الذي تمثّله معركة الانتخابات الفرعية بالنسبة إليه، ليست في الفوز "المضمون" من عدمه، بل في حجم ونوع هذا الفوز، خصوصاً أنّ ثمّة من يقول إنّ "برودة" المعركة ستنعكس تلقائياً على نسبة المشاركة، علماً أنّ حلفاء "المستقبل"، من ميقاتي والصفدي وريفي، لا يعتبرون المعركة معركتهم، فضلاً عن أنّ ثمّة من لا يزال ينتقد رئيس الحكومة على تشبّثه بمرشحته جمالي، التي لا تملك الحيثية الكافية والمطلوبة.

فوز فقد بريقه؟!


صحيح أنّ كثيرين اعتبروا أنّ عدم خوض مرشح "8 آذار" طه ناجي المواجهة الانتخابية مع "المستقبل" في عاصمة الشمال، بعدما كان هو من طعن بنيابة مرشحته، هو بمثابة "هروب"، إلا أن هذا الموقف الذي حاول ناجي وحلفاؤه تصويره على أنّه "مبدئي"، قد يكون في مكانٍ ما "ضربة معلّم"، خصوصاً أنّه اقترن بـ"مقاطعة" الانتخابات، لا بدعم أيّ من المرشحين الآخرين.
فكلّ المعطيات توحي أنّ جمالي ستكون الفائزة في نهاية المطاف، إلا أنّه فوزٌ فقد الكثير من بريقه ورهجه مسبقاً، بل إنّ نسبة الاقتراع التي لا يُتوقّع أن تتخطى الـ 20 في المئة، قد تقوّي موقف "المقاطِعين"، ولذلك لا يزال "المستقبل" يحاول أخذ الأمور إلى "تزكية" تبقى صعبة المنال، حتى إشعارٍ آخر...