نقلت وسائل الإعلام المحلية أخيراً أخباراً عن صراع محتدم بين قضاة وبين ضباط من المديرية العامة ل​قوى الامن الداخلي​ ومفوّض ​الحكومة​ لدى ​المحكمة العسكرية​، بسبب ملاحقة موظفين رسميين يُشتبه في ضلوعهم بجرائم فساد.

إن الدخول في ​تفاصيل​ المواجهة وأسبابها بهدف تحديد الجناة ليس ممكناً الا بعد الاطلاع على كامل الوقائع. وما تتناقله ​وسائل الاعلام​ لا يعدو كونه جزءاً بسيطاً من الرواية، سرّبها طرف بهدف إدانة طرف آخر أمام الرأي العام. لكن بما أن الرأي العام في ​لبنان​ ليس موحداً أصلاً، بل يتشكل من آراء مجموعات طائفية ومذهبية وحزبية ومناطقية، يصبح تسريب المعلومات التي تدين جهة معينة وسيلة للشحن الفئوي.
أما إذا أريد حل جدّي، فيفترض ان تحال هذه القضية على هيئة مستقلة يمكنها ان تحسم الموضوع وتعيد الامور الى نصابها. بعبارات أخرى، ينبغي إحالة موضوع الصدام بين قضاة وضباط الى محكمة محايدة ومستقلة تستمع الى جميع الأطراف في جلسات مغلقة، وتدرس الحجج القانونية التي تقدم بها كل منهم، وتصدر الحكم وتتابع تنفيذه بجدية.
هذا هو المسار الامثل لحل المشكلة، وهو يحتاج الى متابعة وصبر وقرار جماعي ثابت. لكن مع الأسف، ان أياً من ذلك غير متوافر في لبنان حالياً. وبالتالي، يبقى الامر في حلبة الصراع الإعلامي والسياسي، ويصطف «الحريريون» خلف ضباط «فرع المعلومات» وكأنه جناح عسكري لمذهب، وفي المقابل، يصطف «العونيون» خلف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وكأنه زعيم طائفي. ويدّعي بعض الحريصين على لفلفة الموضوع أن أياً من ​القضاة​ والضباط لا يحق له تخطّي التوازنات الطائفية، بغض النظر عن قانونية أو عدم قانونية سلوك أيّ منهما، حيث إن القاضي مفوّض الحكومة محسوب على طائفة ومذهب وفريق سياسي، وفي المقابل الضابط المدير وفرع المعلومات ايضاً محسوبان على طائفة ومذهب وفريق سياسي.

بقاء الأمور على حالها يثير مخاوف من تفوّق العسكر والبوليس على القضاء، ومن تفوّق القضاة على حكم القانون


المدعي العام لدى ​محكمة التمييز​ الذي يخضع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية له بحسب القانون لم يتدخل. ولربما كان ضباط فرع المعلومات والمدير العام لقوى الامن قد راهنوا على تدخله في هذه القضية لصالحهم، لكونه محسوباً على الطائفة والمذهب والفريق السياسي الذي يُحسبون عليه. على أي حال، بما أن كلاً من الأطراف محسوب على جهة ما، فإن هذه القضية قد يستدعي تفاقمها تدخل ​رئيس الجمهورية​ ورئيس ​مجلس الوزراء​ ووزير ​العدل​ ورئيس ​مجلس القضاء الأعلى​، وهم جميعهم محسوبون على جهات طائفية ومذهبية وسياسية متنافسة، ومتصارعة أحياناً. فالبلد قائم على محاصصة لا علاقة لها بالكفاءة ولا بالانضباط ولا بالاحتراف ولا بالوطنية ولا بالأخلاق بل فقط بالولاء للزعامات الفئوية المتناحرة ولـ«مصالح الطائفة» لا لمصلحة الجمهورية اللبنانية.
وفقاً للمادة 34 من قانون ​القضاء العسكري​، يمارس مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومعاونوه «وظائف النائب العام الاستئنافي، وهم مكلفون بملاحقة جميع الجرائم التي هي من صلاحية القضاء العسكري». وتشمل صلاحية القضاء العسكري جرائم الخيانة و​التجسس​ والصلات غير المشروعة بالعدو، والجرائم المتعلقة بالأسلحة، والجرائم المرتكبة في المعسكرات وفي المؤسسات والثكنات العسكرية، والجرائم الواقعة على شخص أحد رجال قوى الامن الداخلي و​الامن العام​، والجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في ​وزارة الدفاع الوطني​ والمحاكم العسكرية أو لدى ​الجيش​ وقوى الامن الداخلي والامن العام، إذا كان لهذه الجرائم علاقة بالوظيفة، وغيرها من الجرائم. وبالتالي، إن لاحتدام الصراع الحالي بين ضابط من ​المديرية العامة لقوى الامن الداخلي​ ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية نتائج بالغة الضرر على ما تبقى من مؤسسات الدولة المعنية ب​الأمن​. وقد يكون الأكثر ضرراً استغلال العدو وبعض العصابات لهذا الصراع، ظناً منهم أنه يشغل القاضي والضابط عن متابعة ملاحقتهم عسكرياً وقضائياً. وقد يوازي ذلك الضرر التململ المحتمل في انضباط الضباط والقضاة، حيث قد يظن بعضهم أن بإمكانه تحويل مخالفته للقانون الى خلاف سياسي طائفي مذهبي يجعله بريئاً منها بحكم وجوب الحفاظ على التوازن.
ولا شك في أن بقاء الامور على حالها يثير مخاوف جدية من تفوّق العسكر والبوليس على القضاء من جهة، وهو ما يؤسّس لحكم العسكر وديكتاتورية ​الاجهزة الأمنية​ والاستخبارية والعسكرية من جهة، ومخاوف أخرى من تفوّق القضاة على حكم القانون والأصول، وهو ما يؤسّس لحكم الفوضى ويضاعف نسب ​الفساد​ والإفلات من العقاب.