قامت الدنيا ولم تقعد لأيّام معدودة فقط بحثاً عن هويّة من قام بتلويث الشاطئ في منطقة الجيّة. فإستنفرت وزارتا البيئة والطاقة والمياه، وكذلك وحدة الإنقاذ البحري في ​الدفاع المدني​ فالقوات البحرية في ​الجيش اللبناني​، كل ذلك من دون أن يعرف اللبنانيون في نهاية المطاف من أين تسربت كميات النفط التي لوّثت الشاطئ وجعلت بقعةً من مياهه الزرقاء سوداء اللون. النتيجة الوحيدة التي تمّ التوصل اليها تمثلت بمسارعة رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الى تكليف الهيئة للإغاثة بتنظيف الشاطئ من الرواسب النفطيّة أيّ بمعنى آخر على حساب الخزينة واللبنانيين وهي عملية مكلفة جداً، علماً أن القوانين البحرية العالميّة كما المعاهدات تنصّ على تحميل الجهّة الملوّثة كلفة أعمال التنظيف.
في التحقيقات، لا يزال الملف مفتوحاً لدى المدعي العام البيئي القاضي فادي ملكون الذي أطلق سراح الباخرة النفطيّة الراسية مقابل معمل الزوق الحراري بعد توقيفها لأربع وعشرين ساعة للإشتباه بها، وذلك بعدما تمّ الكشف عليها من وحدة الإنقاذ البحري في الدفاع المدني وتبيّن أنها متطورة جداً (مصنوعة عام ٢٠١٨) ولا علاقة لها بالتسرب النفطي.
وبعدما أعلنت وزارة الطاقة أن نتيجة الفحص المخبري الذي أجري في مختبر الزهراني المركزي للعينات النفطيّة المستخرجة من شاطئ الجيّة، أثبتت بما لا يقبل الشك ألا علاقة لمعمل الجيّة بالتسرب النفطي وأن النفط المتسرب لا يتطابق مع الفيول أويل الذي يستعمل في المعمل المذكور، كشف غطّاسون من الإنقاذ البحري وبطلب من النيابة العامة البيئيّة على الأنبوب البحري الذي تفرّغ البواخر حمولتها عبره في خزانات معمل الجيّة، فكانت النتيجة أيضاً ألا علاقة له او للمعمل بالتسرب النفطي.
وبنتيجة الكشف الميداني على معمل الجيّة الحراري، تفيد المعلومات بأنّ التقرير الذي أعده مخفر الدامور في ​قوى الأمن الداخلي​، يؤكد أيضاً أنّ مصدر التلوث ليس المعمل ولا خزاناته ولا البواخر التي تزوده بالفيول أويل، والدليل أنّ المادة السوداء التي تم تصويرها في مياه البحر وعلى الشاطئ لم تكن موجودة أيضاً على أرض المعمل الداخليّة.
حتى الشركة التركيّة كارباورشيب المالكة والمشغّلة لباخرة "أورهان باي" التي تساعد معمل الجيّة على انتاج الطاقة أعلنت في بيان ألا علاقة للباخرة بالتسرب النفطي.
أمام هذا المشهد المضحك-المبكي، لا بدّ من طرح أكثر من سؤال، كيف يحصل تلوّث بهذا الحجم وعلى شاطئ بحري من المفترض أنّه تحت سيطرة الدولة والقوى الأمنيّة من دون أن يُعرف من هو الملوّث؟ ومن أين وصل الفيول الى الشاطئ؟ متى وفي أي وقت حصل هذا التسرب؟ ومن يجب أن يتحمّل كلفة تنظيف البحر من الرواسب النفطية؟.
وإذا كان التهريب ممكناً أحياناً على الحدود مع ​سوريا​ وعبر معابر غير شرعيّة، فهل من المقبول أن يحصل تسرب نفطي بهذا الحجم وعلى بعد أمتار قليلة من شاطئ الجيّة، من دون كشف هويّة الملوّث أكان باخرة نفطيّة تابعة لإحدى الشركات الخاصة، أم معمل ​الكهرباء​ الحراري أم باخرة "​اورهان باي​" أم يخت خاص أو حتى شركة خاصة تعمل في مجال إستيراد المحروقات؟!.
أسئلة برسم المعنيين وعلى رأسهم النيابة العامة البيئيّة ورئيس الحكومة وكل من له علاقة بهذا الملف من قريب أو من بعيد، لأنّ عدم كشف هويّة الفاعل ستشكّل فضيحة أمنية من العيار الثقيل وستؤدي الى تكرار التلوث ثانيةً وهذا ما يعتبر من الجرائم التي يحاسب عليها القانون الدولي بتهمة تلويث ​البحر المتوسط​.