بسم الله الرحمن الرحيم واَلْحَمْدُ للهِ رب العالمين، اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ، وَلا يُغْلَقُ بابُهُ، وَلا يُرَدُّ سائِلُهُ، وَ لا يُخَيَّبُ آمِلُهُ ، و​الصلاة​ والسلام على اشرف الخلق واعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد(ص) وعلى آل بيته(ع) الطيبين الطاهرين.

يضع النبي الاكرم(ص) في بعض فقرات خطبته في استقبال ​شهر رمضان​ أُسس العلاقات الإجتماعية الناجحة التي تصون المجتمع وتقوده نحو السلام والأمان، ويُعطي(ص) نموذجاً من الرُقيِّ الأخلاقيِّ، ووجهاً من وجوهِ المجتمعِ الحضريِّ الرفيعِ الذي أرادهُ ​الإسلام​، والنبي(ص) صرخ صرخته هذه قبل 1400 سنه في وسط البادية التي تعجُّ بالجهلِ والتخلُّفِ والظلمِ والظلامِ، ليخرج قومه من الظلامة إلى نور الحق. ويمكن لنا أن نجد في خطبة النبي(ص) عدة فقرات لها بُعداً إجتماعياً، ومن أبرز هذه الفقرات، قوله(ص): وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَمَسَاكِينِكُمْ، وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَغُضُّوا عَمَّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَبْصَارَكُمْ، وَعَمَّا لا يَحِلُّ الاسْتِمَاعُ إِلَيْهِ أَسْمَاعَكُمْ؛ فيعطي النبي(ص) بعضَ النقاطِ التي من خلالِها يضمنُ التكافلَ الإجتماعيَّ وحفظَ هيبةِ المجتمعِ وقوَّتهِ التي ينتج عنها إنخفاض نسبةُ الجريمةِ والفوضى والفقرِ والتخلُّفِ، فيعلمنا كيف نتعامل مع أصناف المجتمع بحيث نمنحه أشدُّ إحتياجاته وإعطاؤه ما هو أشدُّ الإحتياج إليه، فإعطاء الصدقة للفقير والمسكين وإظهار الإحترام والتقدير للكبير، والعطف والمحبة للصغير وزيارة الأقارب والسؤال عنهم، وضبط الجوارح من فضول الكلام للسان والنظر المحرم للعين والاستماع المحرم للأذن، وكفالة الأيتام ورفع شأنهم والتحنن عليهم، كل ذلك ممارسات عملية تحفظ الأمن الإجتماعي للأمة.

كلُّ واحدةٍ من هذهِ العناوينِ لها أبعادُها الأخلاقيةِ والإجتماعيةِ والتربويةِ، التي تكفلُ هي وغيرُها في الحفاظِ على بنيةِ المجتمعِ بشكلٍ سليمٍ إن تمَّ الإلتزامُ بها.

فهنا لا بدّ لنا من أن نتحلَّى بالعِشْرَةِ الإجتماعيَّةِ الفريدةِ التي كانَ يتحلَّى بها النبيُّ وأهلُ البيتِ(عليهم السلام)، التي تدعو إلى لُطفِ التعاملِ في ما بينَ الناسِ من خلالِ التواصل والمتابعةِ، إلى لطفِ التفقُّدِ في الغيبةِ والحضورِ، إلى كرمِ الإعتدادِ بالآخرينَ ومعرفةِ الآخرينِ وإعطاءِ أهميةٍ لوجودِهم ولدورِهم، إنَّ في ذلكَ كلّ ما يطيِّبُ الخواطرَ ويثيرُ الإحساسَ بالشعورِ بالكرامةِ وإعطاءِ الأهميةِ ويرفعُ المعنوياتِ. فهذا التعاملُ السَمِحُ الرحيمُ يُعطي رونقاً راقياً للمجتمعِ وللحياةِ الكريمةِ وهو أمرٌ معنويٌّ قيمتُهُ عاليةٌ جداً، ركيزتُهُ مكارمُ الأخلاقِ.

إنَّ بيئتَنا الإيمانيَّةِ بأشدِّ الحاجةِ إلى تلاحمِ الناسِ فيما بينها وهي بحاجةٍ إلى إقامةِ المودَّةِ وإظهارِ المحبَّةِ لبعضِنا البعضِ، والمواساةِ في الأفراحِ والأتراحِ، والعفو عن بعضِنا حينَ الخطأِ وغضِّ النظر عن بعضِ الزلَّاتِ، والمبادرةِ بالسلامِ والتحيَّةِ، والتبسُّمِ في وجهِ بعضِنا الآخرِ، والحملِ على المحملِ الحسنِ، وعدمِ إساءةِ الظنِّ، وتمنّي الخيرِ لغيرِنا كما نتمناهُ لأنفسِنا، وإحترامِ بعضِنا للآخرِ، وتقديرِ جهودهِ وتعبهِ ورأيهِ إلى غيرها من وجوه المودة والبر.

وردَ في هذا المجال عن مولانا الصّادقِ(عليه السلام): عَظِّمُوا أَصْحَابَكُمْ وَوَقِّرُوهُمْ وَلا يَتَجَهَّمُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَلا تَضَارُّوا وَلا تَحَاسَدُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ كُونُوا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِينَ.

فتقويةُ هذهِ العلاقةِ وهذهِ الُّلحمةِ الإيمانيّةِ التي عبّرَ عنها القرآنُ الكريمُ بالأخوّةِ "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" تنطلقُ بشكلٍ أساسي من المحبة والأخوَّةِ في اللهِ عز وجل والتواضعِ وتقديرِنا لبعضِ والترفُّعِ عن المصالحِ الشخصيَّةِ.

وهذه اللّحمة والعلاقات التي تجعل المجتمع الإيماني مجتمعاً متماسكاً صلباً، هي تصب أولاً وأخراً في مصلحة كل فرد من أفراد المجتمع.

فالإنسان كما عُرِّفَ في علم الإجتماع بأنّه كائنٌ إجتماعيٌّ، وبالتالي هو متفاعلٌ مع من حولهِ من الناسِ، وهو بأمسِّ الحاجةِ إلى بناءِ جسورِ التواصلِ والعلاقاتِ الإجتماعيةِ مع الناسِ ضمنَ ما يحفظُ قيمتَهُ وكرامتَهُ.

وروي بأنَّ إعرابياً أتى النبيَّ(ص) فقالَ لهُ: أوصِني، فكانَ ممَّا أوصاهُ: تحبَّبْ إلى الناسِ يحبُّوكَ.

من الطبيعيِّ، ووفقَ نظامِ المصالحِ الخاصةِ والعامةِ أن تنشأَ خصوماتٌ ويصبحَ هناكَ عداوةٌ بينَ بعضِ الناسِ، ولكن رغمَ ذلكَ، الإنسان مأمورٌ أنْ يبقى يتعاملَ مع الآخرينَ بأخلاقهِ الحسنةِ بما في ذلكَ مع خصومه، وهذا التعاملُ الحسنُ قد يبدِّلُ العداوةَ إلى محبّةٍ، كما يقولُ اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" ، فالدفعُ بالتي هي أحسنُ يقلبُ العداوةَ إلى محبةٍ.

هذا شهرُ رمضان محطّة من المحطّات السنويّة المهمّة التي يجب على ​الانسان​ ان ينطلق من خلاله بفتح صفحة جديدة من الاخرين والعفو عمن ظلمه وصلة من قطعه والاحسان لمن اساء اليه عسى ان يعفو الله عنا ويرحمنا برحمته.

1- الكافي ج2 ص 173.

2- سورة الحجرات الآية 10.

3- الكافي ج2 ص 642.

4- سورة فصلت الآية 34.