انتظر المشاركون في مؤتمر «التطبيع في التربية»، الخميس الماضي، أن يتحدث المؤتمرون عن تجارب حية في الصفوف ومع الطلاب لا أن تقتصر المداخلات على توصيف تعاطي المناهج التربوية مع العدو ال​إسرائيل​ي، على أهميته، على أنه موضوع خلافي والتطرق بخجل إلى ​فلسطين​ ومجريات الصراع العربي الإسرائيلي

كان مقرراً أن تنظم حملة مقاطعة داعمي «إسرائيل» واللقاء الوطني ضد التطبيع مؤتمر «مواجهة التطبيع في التربية»، في نيسان الماضي، في قاعة المكتبة الوطنية. لكن «عطلاً تقنياً وتوقف نظام الإنذار وإقفال الأبواب»، بحسب المدير العام للمكتبة حسان عكرة، نقل المؤتمر إلى المعهد العالي للدكتوراه في العلوم الإنسانية والاجتماعية في ​الجامعة اللبنانية​. ومن المصادفات أنه عُقد في 17 أيار، ذكرى إسقاط الاتفاق المشؤوم مع الكيان الغاصب، وفي «قاعة الرئيس أمين الجميل».

وزارة التربية​ رعت المؤتمر، لكن من دون أن يحضر أي ممثل عنها ليعكس الموقف التربوي الرسمي من التطبيع مع العدو. وعلمت «الأخبار» أنّ الوزارة لم توقع حتى الآن العريضة التربوية التي أطلقت منتصف تشرين الأول الماضي لمناهضة التطبيع وإعادة فلسطين إلى قلب المنظومة التربوية. والرهان على الوزارة و​المركز التربوي للبحوث والإنماء​ لإعادة «محور القضية الفلسطينية» إلى منهج التاريخ ولحظه في الامتحانات الرسمية، ومتابعة تطبيق القرارات والتعاميم التي تنصّ على منع ما تحتويه الكتب من إشارة إلى «إسرائيل» بالإسم، خصوصاً في خرائط كتب الجغرافيا، لأن فلسطين، بحسب سماح ادريس، العضو المؤسس في حملة مقاطعة داعمي «اسرائيل»، «قضية لبنانية فكرية ثقافية سياسية أخلاقية، وليست ملفاً أمنياً في هذا المخيم أو ذاك. ومن المريب أن يتخرّج اللبنانيون وهم لا يعرفون شيئاً عن القضية، بحجة أن ​المقاومة الفلسطينية​ شاركت في الحرب الأهلية». بالنسبة إلى أستاذ المواطنية في الجامعة اللبنانية علي خليفة «لا بد للمناهج أن تنحاز إلى موقف ينصف فلسطين بوصفها قضية حق، وأن تنحاز التربية للحث على مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة بوصفه مشروع عدوان واحتلال وعنصرية دينية».
وبما أن التربية مشروع غير حيادي وغير معزول عن المشروع السياسي للمجتمع، سعى المؤتمرون إلى وضع المناهج التربوية الحالية على مشرحة التحليل لجهة تعاطيها مع العدو على أنه موضوع خلافي، واعتبار الاحتلال أو العمالة وجهة نظر، والتطرق بخجل إلى فلسطين ومجريات الصراع العربي - الإسرائيلي وبث روح المقاومة بكل أشكالها.
فمنهج التاريخ الحالي يعود إلى العام 1968. وهو لا يركز، بحسب رئيسة الهيئة اللبنانية للتاريخ نايلة حمادة، على نضال الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم ووجودهم، وإنما على الخطر الصهيوني، وبالكاد ترد كلمة فلسطين. وفلسطين مغيّبة عن مادة الجغرافيا أيضاً. ففي دراسة أجرتها الباحثة في الانتروبولوجيا ليلى شمس الدين على 93 مسابقة في الامتحانات الرسمية، تبين أن 6 مسابقات فقط ذكرت فلسطين من باب السكان و​المياه​ وليس للحديث عن الأطماع والاعتداءات الإسرائيلية. كما أن للأدب المقاوم والمناهض للتطبيع حصة خجولة في مناهج المرحلة الثانوية. فالمركز التربوي استبعد، وفق أستاذ اللغة العربية في ​التعليم الثانوي​ حسن مظلوم، أي نص يشير إلى العدو الصهيوني بالاسم. لا بل تضمن كتاب السنة الثالثة في التعليم الثانوي في محور «الانسان واستشراف المستقبل» محاضرة لوزير الاقتصاد السابق سمير مقدسي «أقر فيها بأنّ إسرائيل من دول المشرق العربي وجعلها في دائرة المنافسة معترفاً بوجودها في ميادين التربية والثقافة، وكأنه يرحب بها في نادي دولنا».
وفي منهج التربية الوطنية، يطغى مصطلح الهوية العربية والاحتلال الإسرائيلي على مصطلحات أخرى مثل المقاومة وفلسطين والقدس، ما يعزز فكرة الهيمنة الإسرائيلية، على حد تعبير الباحثة التربوية بثينة بيضون. وقد شكّلت مادة الفلسفة إلى جانب مادة التربية، اهتمام جمعية «أديان» في مشروعها لـ«تطوير المناهج». والهدف الأساسيّ من هذه المحاولة، بحسب استاذة الفلسفة زهراء الطشم، دمج الفلسفة العامة بالفلسفة العربية، تحت دعاوى كونية الفلسفة وشمولية مواضيعها، فتترفّع عن الخصوصية الضيّقة لحضارة ما أو شعب ما، «وهذا برأينا يصبّ أيضا في غاية محو الذاكرة الحضارية التي تنكر على تاريخ الفكر العربي إسهاماته». ورأت الطشم أنّ أيّ محاولة جادة لتطوير منهاج مادة الفلسفة، يجب أن تنطلق من خصوصية التفكير الفلسفي بما هو فكر نقدي، حر، ومستقل، وهذا التفكير يكفل تحصين منعة المتعلّم من الانجرار إلى دهاليز التطبيع.
النقاشات في المؤتمر أظهرت أن مسألة الهوية لا تزال مفتوحة على التشكل، فمساعد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية ليون كيلزي استغرب كلام الطشم على «أديان»، مشيراً إلى أنّ الهدف من الدمج هو تدريس الفلسفة لـ40 ألف طالب في الثانوية العامة بدلاً من ألفي طالب يدرسون الفلسفة العربية في الآداب والإنسانيات. وكان لافتاً ما قاله لجهة ضرورة أن «نؤسس للتفكير المقاوم ببعده الثقافي والبعد القيمي، فلا يمكن لمن يحارب الإمبريالية والظلم أن يكون ظالماً وفاسداً، ومقاربة العداء لإسرائيل لا تكون في خضم انفعالي ومن باب التسويق الايديولوجي». كما أثارت منسقة مادة التربية في ​مدرسة القلب الأقدس​ دانيال عبيد استياء الحاضرين حين تحدثت عن «مقاربة العداء لإسرائيل بواقعية وذكاء وحس نقدي والابتعاد عن المزايدات وممارسة الأدلجة»، مشيرة الى أنه «لا يجوز مثلاً استخدام كلمة كراهية ومصطلح اغتصاب فلسطين».