كم هي مؤلمة ومحزنة، ومفرحة في آن واحد، الكتابة حين أكون في ​أبوظبي​ في دولة ​الإمارات​ العربية المتحدة، فالكتابة من هنا "تفتح القريحة" على المقارنات بين ما هي عليه هذه الدولة الشقيقة، وبين ما نحن عليه في ​لبنان​ الاخضر وطن الأرز:

الإمارات دولة، ونحن في لبنان: كل شيء إلا دولة.

فحين نتحدث عن "دولة" فإنه يخطر في بالنا مباشرة "القانون" وتطبيق القانون وعدم الحياد عنه وعدم مخالفته، وإذا ما تمت المخالفة هناك ​عقوبات​ .

بهذا المعنى، الإمارات دولة ، أما نحن في لبنان: فلا. لماذا؟ لأن القانون وجهة نظر حيث فيه الشيء وعكسه في آن واحد:

نتطلَّع في الإمارات فنجد أن موازنتها العامة للعام 2019 صدرت في 1 كانون الثاني 2019 .

هذا هو ​الدستور​، وهذا هو القانون .

نتطلع إلى لبنان فنجد ان موازنة العام 2019، التي كان يجب ان تصدر في 31 كانون الاول 2018 ، كحد أقصى، مرَّ على مهلتها المنتهية خمسة أشهر، والسادس على الطريق، وهي لم تصدر بعد؟

***

وإذ يسألني لبنانيون كثر يعيشون في الإمارات ويستفيدون من نِعَم الإمارات: لماذا تتأخر دولتنا في إصدار ​الموازنة​؟ فبماذا أُجيبهم؟

الدولة مكتملة ومنتظمة: هناك رئيس جمهورية لم يمر من عهده أكثر من سنتين وخمسة أشهر.

هناك حكومة انبثقت من ​انتخابات​ نيابية جرت منذ سنة تمامًا.

هناك مجلس نواب انتُخِب منذ سنة وفق قانون انتخابي جديد هو ​قانون النسبية​.

وتأسيسًا على كل ما تقدَّم، هناك انتظام للسلطة، فلماذا هناك تأخير إذًا؟

لا يريد اللبناني الذي يعيش في الإمارات أن يسمع بأسباب تخفيفية وتبريرات للإخفاقات الحكومية المتلاحقة:

فالموازنة كان يجب ان تُقدّم في تشرين الاول الماضي وأن تُنجَز في آخر كانون الاول الماضي، فهل يُعقَل انها تأخرت إلى اليوم خمسة أشهر ولم تُنجَز بعد؟

لا يفهم اللبناني الذي يعيش في ​الإمارات العربية المتحدة​ لماذا هناك موازنة قدَّمها وزير المال

و"افكار موازنة" قدمها وزير الخارجية ​جبران باسيل​؟ في لبنان يمكن فهم ذلك باعتباره جهدًا وحماسة واندفاعًا من الوزير باسيل، لكن اللبناني الذي يعيش في الإمارات والذي "يتصبَّح ويتمسى" بالقانون، لا يفهم هذه الإجتهادات ولا يعطيها أسبابًا تخفيفية ، فالقانون يستلزم أن توضَع كل الأفكار على طاولة ​مجلس الوزراء​ من اليوم الأول لبدء مناقشة الموازنة، أما ان نُصبح في الجلسة الأخيرة لمناقشة الموازنة، بتأخير خمسة أشهر عن إقرارها، وما زالت هناك أفكار تُطرَح، فهذا يعني ان الأمور تُدار بعقلية إرتجالية لا وفق القوانين المرعية الإجراء.

***

وحتى لو صدرت الموازنة بعد شهر من الآن، فما النفع؟

الصرف على ​القاعدة​ الإثنتي عشرية مستمر وسيستمر إلى حين صدور الموازنة بقانون أي ليس قبل نهاية حزيران، هكذا تكون ​الحكومة​ قد صرفت لستة أشهر وفق القاعدة الاثنتي عشرية لنصف سنة، فيما هي بعد شهرين من الموازنة، أي بدءًا من آب، تبدأ بالتحضير لموازنة 2020.

وهكذا تكون الصورة على الشكل التالي:

في العام 2019 تصرف الحكومة نصف سنة وفق القاعدة الاثنتي عشرية، ونصف سنة وفق موازنة تأخرت لأقرارها ستة أشهر وأبصرت النور قبل شهرين من الموعد المفترض لبدء إعداد موازنة العام 2020.

***

وبعد... هل تسألون لماذا الكتابة عن لبنان مؤلمة من دولة الإمارات العربية المتحدة؟