ليس خافياً أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبدفع من «إسرائيل» واللوبي الأميركي «الإسرائيلي» في الولايات المتحدة، والمحافظين الجدد، قرّرت البدء بعملية التسويق ل​صفقة القرن​ بهدف كسب تأييدهم له لتحقيق الفوز في ولاية رئاسية ثانية في الولايات المتحدة، فترامب لا يقدّم على أيّ خطوة في السياسة الخارجية إلا إذا كانت تحقق له مكاسب مادية أو خاصة، وهو يدرك جيداً حجم نفوذ وتأثير ​اللوبي الإسرائيلي​ في أميركا على غير صعيد وقدرته في التأثير على اتجاهات الرأي العام ومراكز المال والإعلام التي تلعب دوراً أساسياً في صناعة الرؤساء والنواب في الولايات المتحدة.. ومن هذا المنطلق يدرك ترامب انّ عليه لكسب هذا التأييد أن يقدّم لـ «إسرائيلّ ما لم يقدّمه ايّ رئيس أميركي سابق وهو دعم وتأييد كلّ القرارات الصهيونية المتعلقة التي تحقق أهداف المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة من دون أيّ شروط..

في هذا السياق يأتي حماس ترامب في طرح صفقة القرن والترويج لها من باب الشق الاقتصادي والمالي الذي تراهن عليه تل أبيب في أن يكون المادة الدسمة التي تؤدّي إلى أن يسيل لعاب بعض الدول العربية و​السلطة الفلسطينية​ وبالتالي دفعهم للقبول بالصفقة التي تقرّ وتسلّم بالتخلي عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، وكذلك التخلي عن المطالبة بحق عودة اللاجئين العرب الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم التي هجّروا منها عام 1948، وبالتالي القبول عوضاً عن ذلك بحكم ذاتي في مناطق الكثافة الفلسطينية في الضفة الغربية، وإذا كان لا بدّ من إقامة دولة فلتكن في قطاع غزة مع ضمّ جزء من مساحة سيناء إلى القطاع تكون قادرة على استيعاب اللاجئين الفلسطينيين…

وللترويج لهذه الصفقة تقرّر عقد مؤتمر اقتصادي في المنامة تحضره «إسرائيل» وبعض الدول العربية والسلطة الفلسطينية وطبعاً بحضور صهر الرئيس الأميركي ​جاريد كوشنر​ طابخ الصفقة والساعي الى تسويقها.. على أنّ الرهان الأميركي للتمهيد للصفقة مرتبط بشكل أساسي بحضور السلطة الفلسطينية لأنه من دون حضورها لن يكون بالإمكان نجاح العملية، إلا أنّ ​واشنطن​ وتل أبيب فوجئتا برفض السلطة الفلسطينية المشاركة.. بل ورفض أيّ فريق أو رجل أعمال فلسطيني حضور المؤتمر.. في ما بدا أنّ مواجهة مخطط صفقة القرن لتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية وحّدت الشعب الفلسطيني بكلّ قواه واتجاهاته ومكوناته، ما أكد أنّ الإغراء المالي والاقتصادي الذي تقدّمه الصفقة لم يدفع ايّ طرف فلسطيني إلى الموافقة عليها، لأنها لا تحقق مطالب الحدّ الأدنى الفلسطينية التي لا يمكن لأيّ جهة فلسطينية أن تقبل بأقلّ منها، وهي إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس والتي شكلت منذ البداية رهان قيادة منظمة التحرير على أن تؤدّي ​اتفاقية أوسلو​ إلى تحقيقها، إلا أنّ الجانب الإسرائيلي تنكّر لذلك وانقلب على حلّ الدولتين واعتمد أسلوب المناورة والمراوغة وكسب الوقت للوصول إلى فرض الأمر الواقع وتحقيق أطماعه بالسيطرة على الوطن الفلسطيني بالكامل وإنكار ايّ حقوق وطنية للشعب الفلسطيني في وطنه.. ومعروف أنّ الرئيس ​ياسر عرفات​ دفع حياته ثمن رفضه التوقيع على اتفاق في ​كامب ديفيد​ يتضمّن التخلي عن القدس وحق العودة، ولهذا لا يستطيع أيّ طرف فلسطيني أن يتجاوز هذا الموقف الذي هو بمثابة خط أحمر فلسطيني، فمن يتجاوزه ويقبل بأقلّ منه سيعتبر خائناً، فيما قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية ترفض أصلاً اتفاق أوسلو وتصرّ على عدم التخلي عن شبر واحد من أرض فلسطين وتطالب بعودة اللاجئين إلى أرضهم وديارهم ورفض ايّ حلّ ينتقص من هذا الحق…

انّ هذا الموقف الفلسطيني الموحد يشكل ضربة موجعة وصفعة قوية لخطة واشنطن وتل أبيب لتمرير صفقة القرن، وهما تعرفان جيداً انه لا يمكن لأيّ دولة عربية أن تغطي صفقة من هذا النوع ما لم يكن هناك طرف فلسطيني موافق عليها ويشارك في توفير هذه التغطية، تحت عنوان أننا لن نكون ملكيّين أكثر من الملك، ومن المعروف أنّ العلاقات بين بعض الدول العربية وكيان العدو الإسرائيلي لم تتمّ وتخرج إلى العلن إلا بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي شكل رأس جسر للتطبيع.. وقيل يومها إنه طالما أنّ منظمة التحرير وقعت اتفاقاً مع «إسرائيل» واعترفت بها فلماذا تريدون منا أن نكون ملكيّين أكثر من الملك…؟
على أنّ صفقة القرن التي بدأت تتهاوى في بداية طريقها بفعل الموقف الفلسطيني الموحد في رفضها، أكدت في الوقت نفسه حقيقة سقوط الرهان على عملية التفاوض مع كيان العدو الصهيوني، وكذلك أكدت سقوط المراهنة على دور أميركي محايد لتحقيق تسوية تلبّي مطالب الحدّ الأدنى الفلسطينية، وأثبتت أنّ كلّ السنوات التي مضت في هذا الرهان كانت نتائجها سلبية على قضية فلسطين، ووفرت الوقت والغطاء لكيان العدو لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.. اذا كانت هذه هي النتيجة التي أدّى إليها السير في هذا الخيار التفاوضي المساوم، فإنه من الطبيعي والمنطقي أن يتمّ الإقلاع عن الاستمرار في نفق أوسلو، وان تجري العودة إلى خيار التمسك بالثوابت الوطنية و​سلاح المقاومة​ الشعبية والمسلحة الذي سلكته كلّ الشعوب التي واجهت احتلالاً واستعماراً عسكرياً أو استعماراً استيطانياً، مثل الجزائر… واليوم توجد فرصة هامة وثمينة توفرها وحدة الموقف الفلسطيني من صفقة القرن، لأجل إعادة صياغة حركة التحرر الوطني الفلسطيني على هذه الأسس لخوض الكفاح الوطني المسلح والشعبي ضدّ الاحتلال.. خصوصاً أنّ هذا الخيار أثبت أنه قادر على إرغام الاحتلال على الرحيل عن الأرض التي يحتلها بقوة المقاومة إنْ كان في جنوب لبنان أو في قطاع غزة، كما أثبت أنه قادر على فرض معادلات الردع في الصراع مع العدو واستنزافه على نحو غير مسبوق في الصراع معه، واليوم يتوافر لهذا الخيار الوطني التحرري الدعم والتأييد من قوى المقاومة ومن دول وشعوب في العالم عّبرت عنها التظاهرات والمسيرات والتحركات الشعبية الحاشدة بمناسبة يوم القدس العالمي، الأمر الذي أكد أنّ محاولات طمس القضية وحرف بوصلة الصراع عن مسارها الحقيقي قد فشلت، وها هي راية فلسطين القضية ترفرف في العواصم والمدن العربية والإسلامية والعالمية لتؤكد أنّ قضية فلسطين حية متقدة في نفوس وضمائر الشعوب والأحرار في العالم، لا تموت طالما هناك مقاومة وإرادة شعب صامد يرفض التفريط بحقوقه، أو المساومة عليها، أو مقايضتها بالمال والمشاريع الاقتصادية.، فالأوطان لا تباع ولا تشترى.. وليل الاحتلال سيزول مهما طال الزمن.. هذا ما أكدته دروس ثورات الجزائر وفيتنام واليمن… وأخيراً درس المقاومة في جنوب لبنان، عندما توافرت قيادة تحررية ثورية غير مساومة وتملك مشروعاً استراتيجياً للتحرير تمّ تحقيق النصر وتحرير الأرض من الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني…