على وقع استهداف ناقلات النفط في بحر عمان من جهة، وتظاهرات طلابيّة معارضة ل​أميركا​ من جهة أخرى، تأتي الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء ​اليابان​ي ​شينزو آبي​ الى ​إيران​، وهي الزيارة اليابانية الاولى لطهران منذ سقوط الشاه وإنشاء "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" قبل 4 عقود، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأميركية والقيادة الإيرانية، والسعي لإيجاد مخرج للأزمة الحادة بين الطرفين. فهل تتّجه المنطقة الى الاشتعال أم الهدوء؟.
رغم أهمية الزيارة التي يقوم بها آبي، إلا أن الموقف الإيراني واضح: لا مفاوضات وفق نظام قويّ وضعيف، أو رابح وخاسر. وبشكل عام، القيادة الإيرانية لا تترك فرصة إلا لتؤكد فيها أنه لا يمكن الوثوق بالرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، وهذا ما صدر عن مرشد الثورة الإسلامية في إيران آية الله ​علي خامنئي​ خلال لقائه آبي، إذ شدد على أن "ترامب ليس أهلاً لتبادل الرسائل وليس لدينا أيّ جواب من جهتنا ولن يكون".
بهذا الحزم، لاقت طهران التودّد الأميركي. ومشكلة الولايات المتّحدة الحقيقية مع ايران ليست نية بتغيير نظام الثانية، لأن هذا الأمر صعب وفقاً لتركيبة الجمهوريّة الاسلاميّة، فالقيادة ترى أن ترامب لو كان بإمكانه تغيير النظام لقام بذلك، وهذا ما حاول العديد من الرؤساء في أميركا القيام به منذ نجاح الثورة في عام 1979، وبالتالي فإن الشرط الأول لطهران للبدء بمفاوضات غير مباشرة مع واشنطن، هو إزالة العقوبات خصوصاً على الصادرات النفطية ومن ثم التفاوض وفق نظام الدولتين المتساويتين.

زيارة إيجابية


من هنا، يرى المحلل السياسي الإيراني حسن زادة أن "زيارة رئيس الوزراء الياباني تأتي في ظروف استثنائية تمر فيها المنطقة"، لافتاً إلى أنه "رغم أن اليابان لا تتدخل عادة في الشؤون السياسية للمنطقة، إلا أن علاقاتها الوطيدة مع ايران وقربها من الادارة الأميركية خصوصاً بعد زيارة ترامب إلى طوكيو جعل منها لاعباً أساسياً في عملية البحث عن حلول لتخفيف حدة التوتر بين البلدين".
وفي حديث مع "النشرة"، أوضح زادة أن "آبي حمل معه رسالة من الرئيس الأميركي تتعلق بضرورة ايجاد أطر معيّنة للوصول إلى تهدئة الأمور، خصوصا أن أميركا على باب انتخابات رئاسيّة ولا يمكن لترامب القيام بأيّ مغامرة ضد ايران قد تكون عواقبها وخيمة عليه"، مشيراً إلى أن "أهم ما في الزيارة هو اللقاء مع خامنئي الذي كان إيجابياً على أكثر من صعيد، وكانت وعود من القيادة الإيرانية بأنها لا تبحث عن أزمة في المنطقة"، ومؤكداً أن "ايران أبلغت الجانب الياباني عن وجود شروط حول العقوبات، حينها تعيد ايران النظر في المواضيع الأخرى".

خامنئي رفض استلام الرسالة!


رغم هذه الإيجابيّة التي أظهرها الجانب الإيراني، إلا أن الصور التي انتشرت عن الإجتماع أظهرت جانباً لم تقله الكلمات. فخلال اجتماع خامنئي وآبي، لاحظ مراقبون إيرانيون أن المرشد الأعلى لم يتسلّم رسالة ترامب، ولم يستلمها بعد أن وضعها آبي على الطاولة، فما كان من المسؤول الياباني إلا أن أعاد الورقة إلى جانبه، ما يدلّ على صلابة الموقف الإيراني برفض أيّ نوع من الحوار قبل إزالة العقوبات.

إسرائيل​ وأحداث بحر عمان


على صعيد آخر، هزّ استهداف ناقلات النفط في بحر عمان الهدوء النسبي في المنطقة، وأعاد هذا الإستهداف نغمة "شيطنة" إيران في محيطها خصوصاً الخليجي. ورغم عمل القوات الإيرانية على انتشال العمال من على متن السفينتين المتضررتين نتيجة الحادث، إلا أن أصابع الإتهام وجّهت مباشرة لها، ولحليفها في تلك المنطقة أي الحوثيين.
الأكيد في هذا الموضوع أن طهران هي الخاسر الأكبر من هذه العمليات لأنها ستزيد الضغوطات عليها، والرسائل في هذه المرحلة، لا يمكن أن توجّه بهذه الطريقة. وبالتالي، فإن المنطق يزيل مسؤولية إيران من هذه الحادثة. فمن يكون خلف هذه العمليات إذا سحبنا فرضية أن تكون إيران هي الفاعلة؟
تاريخياً، تمتلك إسرائيل تاريخاً حافلاً بمثل هذه العمليات. وتبقى "فضيحة لافون" أبرز مثل على ذلك. هذه العملية هي عملية سرية إسرائيلية لم تنجح، كان من المفترض أن تتم في مصر، وتتمحور حول تفجير أهداف مصرية وأميركية وبريطانية، في صيف عام 1954، بهدف تخريب العلاقات بين مصر وهذه الدول، ولكن هذه العملية اكتشفتها المخابرات المصريّة وسميت بهذا الاسم نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، "بنحاس لافون" الذي أشرف عليها.
من هنا، لا يمكن إخراج إسرائيل من معادلة الأحداث التي تشهدها المياه الإقليمية في المنطقة مؤخراً. من ميناء الإمارات وصولاً إلى أحداث بحر عمان، قد تكون تل أبيب هي السبب والهدف زعزعة أجواء التقارب التي يعمل الأميركي عليها مع إيران، واستفزاز دول الخليج للعمل على ضرب طهران.
من جهته، يعرب المحلل السياسي الإيراني زادة، عن "استغرابه من توجيه أصابع الإتهام إلى إيران في كل مرة يطرأ فيها أي حدث أمني بمياه الخليج الفارسي"، معتبراً أن "هذه الإتهامات ظالمة ومجحفة بحق طهران".
ورأى زادة أن "مسار الأحداث واتهام إيران بشكل مباشر يثبت وجود دول أخرى تريد اشعال فتيل الحرب بين طهران وبعض دول المنطقة"، مشدداً على أن "إيران غير معنية بكل هذه الأحداث والإتهامات رغم كل السيناريوهات التي قد تكون إسرائيل و​المملكة العربية السعودية​ خلفها".
بين العراق وسلطنة عمان واليابان، تبحث الإدارة الأميركية عن مفاوض يمكنه تقريب المسافات مع طهران. وبعد عدم وصول "المصلحين" العراقيين أو العمانيين إلى حل يرضي أميركا وإيران، ها هي اليابان تعمل على فك شيفرة الأزمة بين الطرفين. فهل تنجح هذه المحاولات، أم أن تسارع الأحداث في المنطقة سيفرض واقعا مغايرا؟!.